الدرس الغامبي | الصحراء

الدرس الغامبي

ثلاثاء, 2016-12-13 13:30
محمد محمود ولد بكار

حاول  يحي جامى، الذي ظل يحكم بلده بواسطة منظومة من الترهات ( حاكم لمليار عام، مُقترِح علاج الإيدز والعقم. صاحب الدولة الحقيقي الذي نجاها من الاستعمار..) إلى أن يعترف أن المنطق والعقل اللذين لم يكن يؤمن بهما أثناء تسييره لبلد فقير تحاصره الجغرافيا، هما الوحيدان القادران على مساعدته في مواجهة قدره.

وقد جثمت الهزيمة المفاجئة على صدره، بقيادة معارضة احتقرها ونكل بها أكثر من مرة وعلى مدى 22 سنة من الاستفراد بالحكم أي حكم الشخص الخارج عن المعايير، الذي يبطش بالحريات والحقوق. لقد كان يحي، وهو الحاكم المرهوب الجانب،  يعتقد، وعلى درجة كبيرة من الخيلاء والتعنت، بأنه صاحب الشعبية الواسعة في غامبيا، دون أن يدرك يوما أن التكميم والحظر هو من غدر به، وأن ذلك هو ثمن تخويف الناس أمام الإدلاء بحقيقة ما يفكرون فيه، دون أن يطالهم التمييِز، فقد ظلت 36% هي كل شعبية جامى  في عموم البلد، تحصل على تغطية إعلامية واسعة خلقت صورة زائفة عن رضا الشعب، تغطي على حقيقة موقف الشعب من جامى الذي ظل يمجد وجعلت الكل، بما فيه هو نفسه، يصدق أن الشعب كله وراءه دون أن يلتفت إلى الآثار السلبية لنظامه ودون أن يضع احتمال النتيجة التي صارت واقعية. لكنه، وهو يواجه الحقيقة الصادمة، كاد أن يفهم الدرس الذي جاءه متأخرا، واستسلم في البداية دون مراوغة لفوز من كان يصفهم أمس بالأعداء ويسجنهم بسبب مظاهرات شرعية، وحاول أن يكون حصيفا ولو لمرة واحدة ،فقد علق على هزيمته المحيرة بأنه لن يطعن في الانتخابات وسيجلس في المقاعد الخلفية كما أنه سيساعد خلفه على نقل السلطة.

ولأسباب مجهولة حتى الآن نكص على عقبيه ورفض نتائج الانتخابات جملة وتفصيلا ،لكن الاتجاه الأكثر موضوعية في التحليل يعتبر أن ضغوط محيطه عليه بعدم التخلي عن الحكم  ومطالبة معارضيه  بمحاكمته وبصفة عنيفة  هي التي جعلته يتراجع بهذه الطريقة التي لا تملك مبررات ديمقراطية ولا مصوغات قانونية، وبهذا تدخل غامبي مرحلة جديدة من للاشرعية فاتحة الباب أمام جميع أنواع خيارات اللاسلم.

لا يختلف الوضع عندنا عن ذلك بل هناك العديد من القواسم المشتركة وملامح التوافق فبالنسبة للشق الأول من الصورة لا يختلف عزيزا كثيرا عن النمط نفسه وإن كان أكثر عصرنة  بالنسبة لتلك الترهات، فهو يحكم باسم رئيس الفقراء، وصاحب سياسة الترشيد، ومحاربة الفساد، وإحياء أمجاد المقاومة، والنهوض بالشباب ....و ....: رزمانة كبيرة من الترهات إذا ما نقلت للواقع، ويشكل الإعلام  والإطراء السياسي التجسيد الوحيد لها، بواسطة التغطيات الإعلامية المغرضة في حين لا تحصل المعارضة ولا الشخصيات المستقلة على هامش ضئيل في الإعلام العمومي أبدا، وعلى نحو متعمد، فالواقع مليء بالكوابيس والدولة لا تسير وفق منطق أو مرجعيات محددة، والشارع يعرف تدهورا أخلاقيا وتسيبا مدرسيا غير مسبوقان، وعزيز  هو الرئيس الذي يحتكر القوة والتسيير، ويحيط نفسه بهالة من النوازع والسجايا والطباع الحادة، ومن التعصب لصورة واحدة إيجابية للوضع  تجعل من الصعب مواجهته بالحقيقة.

وهكذا شكلت مداخلة خديجة بنت أكليب بجزء يسير ومبعثر من الحقيقية أمامه في مدينة أطار حدثا وطنيا وخبرا رئيسيا على صدر جميع الوسائط الإعلامية في العالم الافتراضي. وقد صادف ترحيبا وافرا بل ومديحا من خلال كفان الموزون، كما قابلها الإعلام الخارجي بعد ذلك قناة الجزيرة ،فما الذي اكتشفته يستوجب كل هذا الاهتمام ؟ وهل هي وحدها من تكلم أمام الرئيس؟ فقط لأنها تحدث عن الواقع المعيشي اليومي الغير، ولأن كل الناس لا تحكي عن الواقع الحقيقي للناس . هذا ما يجب أن ينتبه له عزيز الذي يعرف المزيد .

ثم ان التصفيق الحار الذي لاقته  كلمته في قصر المؤتمرات أثناء اختتام الحوار وهو يعلن عدم رغبته في الترشح حتي من لدن الذين كانوا ينافحون عن التمديد له طيلة جلسات الحوار، يعطي صورة نموذجية عن أن الناس ظلت ضد قناعتها في ذلك، لكنها لا تملك القدرة على إظهار حقيقة ما تفكر به أنهم لا يريدون عزيز في المستقبل.

الفبركات الإعلامية تعطي  تصورا خاطئا للوضع وكأن كل الشعب وراءه ويريده لأجل المزيد من تفجير الطاقات، دون أن يترك له فرصة لتقييم مساره والنظر للخلف قليلا ،فعزيز يعرف أن الدولة خلال ال9 سنوات من حكمه كانت مؤسستها وقوانينها وقوتها وسلطتها الجبائية مسخرة لخدمة أهدافه من جهة، ولانتقامه من جهة ثانية. وقد خلف ذلك السلوك الذي لم يكن يتماشى مع أيا من الشعارات المرفوعة فوق الرأس الإصلاح والشفافية، آثارا سلبية  بالغة على مناخ  الاستثمار والأعمال  ومجريات العدالة نفسها. متناغما مع اللاساسيات التي ينتجها النظام، وفي ضوء ذلك لم يستفد البلد من أي من موارده، وهكذا مرت طفرة المعادن دون أن يشعر بها أحد ، فقد طار سعر الحديد والذهب إلى  مستويات عالية  مع  انقلابه 2008 ولم يستطع أن يحرك القطاع المعدني مع ذلك  سوى  1% من اليد العاملة مع وجود 86 شركة للتنقيب عبر 212 رخصة بحث و11 رخصة استغلال، كما أن الزيادة الكبيرة في المداخيل التي قدرت  ب 17 مليار دولار خلال سنوات الوفرة ال 6 في سعر المعادن، لم تأت بأي جديد بالنسبة لتحسين الرواتب ولا لامتصاص التضخم أو لدعم القوة الشرائية ولا لتثبيت اسعار المواد الضرورية ولا توفير الخدمات العمومية النقل والصحة والتعليم والعدالة، بل بالعكس شهدت الحياة  تدهورا ملحوظا وتم اختطاف البهجة والسرور من أفواه المعيلين والمرضي وتعودت أحياء انواكشوط على الظلام بصفة منتظمة ، فقد ذكرت افتتاحية حزب الصواب "أن جو الكآبة والسأم يخيمان على المواطنين في نواكشوط بسبب قطع التيار الكهربائي باستمرار " وقد عرفت ظروف المواطنين شططا متزايدا بسبب الفقر والغلاء  حتى صار سد الرمق نجاحا في هذه الحياة أما القدرة على تعليم الأبناء وعلى التنقل فقد اضحت هدفا ساميا وازداد الإضطراب الداخلي والقلق على الاستقرار صبيحة كل يوم .

كما حافظ البلد على مقعد متأخر على جميع الدراسات الدولية المستقلة ؛فقد توقعت منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة أن تتصدر موريتانيا دول العالم خاصة الدول العشر التي تشهد أعلى معدلات البطالة بنسبة 30،9 % أما بالنسبة للفقر فيبرز تقرير صادر عن منظمة الفاو خلال 2016 اهتم بكيفية كسر حالة الفقر في أرياف البلدان النامية، كيف  أن 71،3 من الموريتانيين يعيشون بأقل من دولارين أي 716 أوقية لليوم، وأن حوالي اقل من 23،5% منهم يعيشون بأقل من 1،25 دولار أي 450 أوقية وهو أكثر المعدلات خطورة في منطقة شمال إفريقيا.

وبالنسبة لدخل الفرد صنفت موريتانيا في مرتبة متأخرة 145 من أصل182 دولة، كما أنها في الـ 25 دولة الأكثر فقرا في العالم والـ 39 المهددة بالمجاعة، واحتلت المرتبة 141عالميا بحسب نفس التصنيف بالنسبة للشفافية ، واحتلت في قائمة الموارد البشرية المرتبة 121 من أصل  122دولة ،و 112على قائمة الفساد الذي تمثل محاربته الشعار الذي ظل عزيزيحمله منذ انقلابه ويتعارض ويتناقض معه يوميا ألف مرة ، لكن الكارثة أن هذا لم يقع في كنف هذه الوفرة فقط ،لكن أيضا مع مديونية تضاعفت 3مرات  حيث بلغت  4مليار دولار و  929 مليون دولار أي نسبة  93،5 %من الناتج الإجمالي المحلي السنوي والذي يهدد اقتصاد البلد خلال العقدين  القادمين بينما تمثل الديون  السينغال المجاور 30% من إجمالي الناتج المحلي . كما يصنف الاقتصاد الوطني ضمن الاقتصادات الأقل نموا على مستوى العالم من بين حوالي 48 دولة.

وقد ذكر بيان خبراء صندوق النقد مايو 2016 أن معدل النمو بلغ 1،9% 2016 في البلد بعدما كان متوقعا أن يتراجع إلى 4،5% هذا بالإضافة إلى تراجع العديد من المؤشرات الاقتصادية مثل الاستثمارات الكلية من الناتج المحلي في 2015 التي تراجعت  إلى 35،6 % بعد أن كانت 49،5 %وكذلك المدخرات من الناتج المحلي  التي تراجعت إلى 16،2 في 2015 بعدما كانت 21،9% سنة 2014. وحسب القراءة الصحيحة  يحقق تراجع كل من المدخرات والاستثمارات الكلية في أي اقتصاد زيادة في معدلات البطالة والفقر معا بسبب تقلص فرص العمل وتراجع الدخول. الحالة الإقتصادية أكثر قتامة مع توقف القروض  من البنوك والصناديق الغربية بسبب وصول موريتانيا للحافة أي عدم المصداقية الاقتصادية.

ومن الناحية الأمنية حيث تترنح دعاية النظام في الهواء الطلق فقد وضع الشريكان الأمنيان الرئيسيان فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بصفة أدق وضعت موريتانيا في الخانة الحمراء ،  هذه الوضعية الحالكة استعملها النظام لفرض مزيد من الضرائب وقتل المبادرات الفردية والقطاع غير المصنف فتم احتكار امتلاك وبيع القطع الأرضية  بزبونية تامة، وتم تحريم استيراد السيارات التي ظلت ظهيرا للطبقة الوسطى، وتمت  محاربة السياحة من خلال فرض أكبر رسوم تأشيرة في العالم. وأكثر من ذلك مازالت الدولة تضغط بعنف على الدخل والقوت اليوميين للمواطن من خلال فرض ضرائب قياسية على الأرز والمازوت: معدل 165 أوقية  ضريبة على كلغ الأرز و200 أوقية ضريبة على كل لتر من المازوت، كما شهد سعر (سمكة ياي بوي) الشائعة الاستعمال بالنسبة للغالبية من الشعب  والفقراء بصفة رئيسية  ثورة في الغلاء من 20 أوقية للسمكة إلى 150 أوقية بسبب تراخيص دقيق السمك حيث تشكل هذه السمكة المادة الأولوية له. عزيز الذي لا يولي أي أهمية لحقيقة الوضع ويفضل الهروب إلى الأمام بتكثيف السفر الذي لا يجدي نفعا إلى الخارج على نحو غير مسبوق وبالزيارات الداخلية لإلهاء الناس وتنشيط بروبكندا تمجيده، هذه الوضعية تتخمر في جو من  الفساد بالنسبة لقطاع  الزراعة والتعليم والصحة والقضاء، ومضايقة الموردين والمستثمرين، وهي ضعية لن تترك لعزيز مخرجا آخر يضمن له الفوز بجلده سوى الجلوس مع النخبة الوطنية في ضوء عملية مصالحة وبناء الديمقراطية بشكل مشترك.

إن محمد ولد عبد العزيز، وهو صاحب العصا والعصا فقط، هو بالذات من يجب أن يفكر دون غيره  في مصيره، وقد حول شعبا بأكمله إلى فقراء وأسس  مناخ  الأعمال على مقاسه، فطرد رؤوس الأموال ورجال الأعمال، لتبقى  الجماعة المرتبطة به  كمستفيدة وحيدة في البلد أغلبها انبجس بمعجزة اقتصادية تتجلى فيها قوة وإرادة الدولة ،كما حافظ على علاقات متوترة طيلة حكمه مع كل معارضيه الذين ظل هو شخصيا من يسير كل المضايقات الموجهة لهم. أليس من قبيل المنطق، وفي وضع كهذا، أن يتوقع عزيز المصير نفسه، حينما تدخل المعارضة معه في منازلة حقيقة، وقد سقطت كل شعاراته التي استعطف بها الجماهير نحو الهاوية ،خاصة أن  قوة الحشد التي تملك المعارضة وقد ظلت "منبوذة ومجرمة" في نظره ومحاربة في الواقع، أظهرت الصدى الإيجابي والبريق المتنامي الذي حصلت عليه فقط بسبب ثبات موقفها المتصلب إزاء معارضة النظام؟ وأن عزيز نفسه متأكد، وكثيرا ما يقولها، حسب الروايات المتواترة، أنه حينما طلب منه  رئيس حزب الاتحاد السابق زيادة عدد أعضاء المؤتمر الوطني قال له "ألا يكفي 120 منافق" أي أن الذين يدعمونه إنما يحابونه في الغالب بحثا عن مصالح؟  أي أن أي فرصة تساعد في إخراجه من السلطة على نحو أكيد ستكون ضالتهم المنشودة؟. كما أن المعطى الجديد الذي يغفله الكل هو قوة الغوغاء الآخذة في التجسيد والتي تجاوزت الكل بسبب تزايد المطالب والمظالم والبطالة والتوترات الاجتماعية، هذه القوة التي لا أصل لها لن تعطي أي فرصة للهدوء وسيكون وقت السلم قد انتهى عند اللحظة التي يتجمع فيها كل هؤلاء الناس لأي سبب - فيجب أن لا ننسى البوعزيزي في تونس- ستكون هي البديل الأول لفشل أي خيار ديمقراطي. ليس أمام عزيز، وهو يخضع لهذا الوضع المنحدر، إلا أن يخرج من استكباره ويمد يده مبسوطة للمعارضة من أجل نفاذ سلس إلى التناوب وأن لا يستمع للمجموعة الصغيرة التي تحيط به وتدفعه إلى التغافل عن معطيات الوضع. 

لكن أين هي المعارضة التي يجب أن يمد لها عزيز اليد؟ ماذا تريد وكيف تريده بأي ثمن وبأي شرط ؟ ألم يان لهذه المعارضة  أن تستفيد من الدروس والتجارب الناجحة في الجوار؟ أليست تجربة غامبيا هي الأخرى نموذجا لدور المعارضة مثابرة وواعية ،فقد كانت قبل شهور من الانتخابات أي خلال شهر إبريل الماضي تواجه أنواع القمع  إثر احتجاجات من اجل إصلاح انتخابي، وقد توفي على إثرها عضوان في السجن  من الحزب الديمقراطي الموحد، اكبر أحزاب المعارضة ضمن مجموعة حصلت على أحكام متفاوتة بالسجن منها السجن 3 سنوات ضد رئيس الحزب الديمقراطي الموحد أسينو دار بوي الذي خسر 4 انتخابات متوالية مع يحي جامي. كما تم منع المراقبين الدوليين من حضور الانتخابات، وبصفة عامة" لم تكن الآمال كبيرة في الانتقال السلمي للسلطة وظلت الناس تتوقع استمرار الأمر الواقع"، كما قال مراسل البي بي سي ، لكن ذلك لم يمنع المعارضة من الاحتشاد والدخول في معركة كانت تلك مواصفاتها، إلا أن عنصري المواجهة والجدية هما من خلقا تلك القوة التي منحت الأمل للذين كانوا معارضين أو مستائين أو متضررين دون أن يجرؤوا على إظهار ذلك من قبل.

لم تجلس المعارضة الغامبية تنتظر انقلابا  رغم أن الرئيس القائم جاء المرة الأولى عبر انقلاب، ولم تنتظر حوارا بلا سقف وبلا حدود، ولم تعول على عامل الزمن والأوضاع المزرية حدها، لكنها أخذت زمام المبادرة ودخلت المعترك وغيرت من داخل اللعبة نفسها. وهذا هو ثاني درس من نوعه بعد  فوز المعارضة السينغالية متحدة  قبل 3 سنوات على عبد الله واد. لا تريد المعارضة الموريتانية أخذ أي درس. وها هي اليوم ترفض كل شيء وتجلس على الهامش وتنتظر الحكم عطية من السماء. مع أن الوضع يتضمن فرصا سياسية كبيرة لها لتغيير وضعها والوصول إلى التناوب. فعزيز الذي ظل بمقدوره ـ  كما أفادت التجربة باستمرار ـ  الحصول على كل ما يريد بواسطة دعم القبائل،  قرر التنازل عن خيار تغيير المواد المحصنة، ليس لأنه غير قانوني لكن كاستجابة موضوعية للضغوطات الواسعة المفروضة حول تلك المواد من طرف الكل، بل لأنه ليس في مصلحة الوطن كما قال  وهو تعبير يزيد القناعة بالقرار ، لكن المعارضة لم تثمن أيا من تلك الضغوطات ولم تثمن مسلك عزيز نفسه في إطار غياب كلي لرؤية مستنيرة أو لتصور بديل، وتركت عزيز فريسة لمجموعة من الإكراهات والإغراءات ليتمسك بطوق نجاته وعلى الدنيَ العفاء ، فقد خرجت بتحالف قديم جديد لا يملك أي روح ووضعت نفسها أمام محك سيفقدها كل مصداقيتها الشعبية حينما تفشل وهو أمر متوقع تماما .

لقد تبنت المعارضة حيال كل تلك الفرص خيار المواجهة "المقاطعة النشطة للاستفتاء" قبل أن تستنفذ خيارات السلم. إن المعارضة لا تريد أن تعطي أي فرصة لخلق عنصر القوة الذي يأتي عادة مع الجدية والتمسك بقواعد اللعبة نفسها، وهي تملك الطريق القريب  لذلك حيث كان بإمكانها إطلاق إشارة إيجابية اتجاه عزيز من أجل بناء الثقة، خدمة لوضع قواعد مرضية لعملية تناوب سلمي لا يملك فيه عزيز فرصا صريحة للاستمرار ،مما يمكنها من  بناء عنصر القوة والأمل في التغيير وتغيب عنصر الخوف  الذي سيمنح الناس حرية الاختيار وليس افتئاتا التشبث بالرأي القائل أن نهج عزيز لن  يكون خيارا لها أبدا، خاصة أن البدائل التي يقوم لها الترويج من داخل صفه ضعيفة وهامشية . لكن عندما تلجأ المعارضة لخيار المواجهة فإنها تفرض على نفسها سورا يعزلها عن المواطنين  المترددين وعن رجال الأعمال  والموظفين الخائفين،  ويمنح ذلك القوة لعزيز ويجعل المسار يتجه نحو حتمية استمراريته  بأي شكل. وهو ما يفتح سيناريوهات كانت مغلقة بالأساس أخطر من التوريث مثل عودة عزيز بعد شهور أو غير ذلك من غياب تام لأي فرص جوهرية للتناوب.

إن المعارضة إذا ما كانت جادة فإنها لا تملك خيارا آخر غير مسك خيط من خيوط اللعبة والانخراط في عمل سياسي مجد، أو إنتاج رؤية من داخل العملية السياسية نفسها التي تتشكل خيوطها حاليا. ويبدأ ذلك العمل وفق تقييم علمي وموضوعي للخريطة السياسية بكل معطياتها ووضع استراتيجية واضحة المعالم لكيفية الوصول إلى التناوب : أي ما هو حجم التنازلات وحجم التضحيات ونوعية المساومة  والضغوط  وكيفية حشد العوامل والعناصر والاتجاهات واستثمار كل ذلك لخلق  دينامية التغيير السلمي الذي يقنع المواطن العادي ورجل الأعمال والموظف والمواطن البسيط على حد سواء. خاصة أنه يمكنها أن تختزل الكثير من المخاوف داخل اللجنة المستقلة للانتخابات بتصحيح الأخطاء والمثالب والثغرات  ومحاربة استغلال النفوذ والسلطة وتدخل الجيش وغيرها من مطالب الشفافية والحياد  وتعمل كذلك على تحيين  قانون تسيير الحملات الانتخابية من الناحية المادية المعطل منذ 2007، حيث لا يتجاوز سقف الحملة الرئاسية 500 مليون أوقية ولا سقف النواب في المقاطعات أكثر من 10 ملايين أوقية الأمر الذي يغلق الباب أمام الفجوة الكبيرة في تمويل الحملات ،  إضافة إلى أمور كثيرة يمكنها أن تعطي الثقة بخروج الأمور من قبضة عزيز وتعطي لكافة المترددين والخائفين والمتضررين الحرية في مغادرة إلى أي مركبة أخرى، وإلا فإن على المعارضة أن تتبوأ مقعدها من المساءلة أمام التاريخ عن أي وضع قد ينجر له البلد بسبب الاحتقان والتأزم المفتوح على مصراعيه.

كما أن على عزيز أن لا يضع نفسه موازيا للبلد: مصلحته، استقراره، واستمراريته. ويجب أن يتصالح مع ذاته ويقطع الشك باليقين فيما يتعلق بالتردد الذي يريد البعض أن يحبسه فيه وتقول  الحكمة الحسانية البالغة " إَزيًنٌهالك إل ما ينفعك فيه" إلى القرار النهائي الواضح بترك المستقبل واضح وشفاف، وأن يتمعن في مسؤوليته التامة إزاء مصير هذا الشعب. فلا ينسى الحديث " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ..." ومسؤولية الحاكم ليست كأي مسؤولية، كما عليه أن يعتبر من أوضاع البلدان التي حولتها الفوضى من أمن وأمان إلى تشرد وخوف.

إن الخيار الوحيد السليم أمام عزيز هو التقرب أكثر إلى فرص التقارب والتفاهم وبناء الثقة مع المعارضة والبحث عن أقل  القواسم أو أبسط القواعد المشتركة والانطلاق منها نحو تفاهم أوسع يفضي إلى الخروج من التأزم والتوتر ، ولا ينتظرها  في لعبة لي الذراع هذه، فلا مصلحة لأي كان في أن ينتقل من وضع صاحب البلد إلى ضيف إجباري عند الآخرين. ولم تبق لشعبنا القدرة في أن يخطو خطوة بهذا الوضع. اللهم قد بلغت، اللهم فأشهد.