كركوك وتجليات ما بعد تنظيم الدولة

خميس, 2017-04-06 09:17
يحيى الكبيسي

قلنا في سلسلة من المقالات نشرت في «القدس العربي»، ان معركة الموصل وما بعدها لن تكون سوى حلقة من حلقات «تدوير الازمة» في العراق وهي عملية اعتمدها النظام الجديد في العراق منذ عام 2003. وأن موضوع المناطق المتنازع عليها، سيعود إلى الواجهة في ظل سعي الأطراف المتصارعة للاستفادة القصوى من لحظة تنظيم الدولة ، وتحقيق أكبر مكاسب ممكنة على الأرض، ومحاولة فرض امر واقع جديد. بل اننا تحدثنا في هذه المقالات عن «خرائط» جديدة تعد لها هذه الاطراف لمرحلة ما بعد تنظيم الدولة ، وان خرائط الامر الواقع هذه، لن تكون سوى مقدمة إضافية لتكريس التطرف والعنف.
بدأت تمظهرات هذه الخرائط مع خطوة متوقعه قام بها محافظ كركوك بإصدار كتاب بتاريخ 144 آذار/ مارس 2017 يقضي برفع علم إقليم كردستان إلى جانب العلم العراقي في المحافظة. ثم قام المحافظ نفسه، بالتزامن مع عيد نوروز في 21 آذار/ مارس 2017 برفع علم إقليم كردستان إلى جانب العلم العراقي فوق قلعة كركوك التاريخية، داعيا في الوقت نفسه مجلس المحافظة للتصويت على رفع العلم الكردستاني فوق المباني الحكومية في المحافظة، ثم قرر مجلس محافظة كركوك، وهو مجلس يسيطر عليه الكرد (26 عضوا من مجموع 41 عضوا مقابل 9 أعضاء تركمان، و6 أعضاء عرب)! بعد اسبوع على هذا القرار، برفع علم الإقليم فوق المباني الحكومية في المحافظة، مع مقاطعة الأعضاء العرب والتركمان في مجلس المحافظة لهذا القرار! 
مركزيا، كانت الاستجابة الاولى من الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات التابعة لمجلس الوزراء، التي بينت ان المحافظة تقع ضمن سلطة الحكومة الاتحادية، وان العلم العراقي حصرا هو الذي يجب ان يرفع في كركوك. ثم جاءت الاستجابة اللاحقة من مجلس النواب العراقي، بتصويت أعضائه، مع مقاطعة اعضاء التحالف الكردستاني! على قرار «غير ملزم» برفض قرار مجلس محافظة كركوك، ومنع تصرف المحافظة بنفطها بوصفه من ثروات الشعب العراقي ككل. ثم تحدث الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية في السياق نفسه، وصرح أنه لا يجوز رفع علم إقليم كردستان إلى جانب العلم العراقي في كركوك، وإن هذا الاجراء «غير دستوري». إلا ان تصريحا «أكثر مرونة» صدر لاحقا عن رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي، عندما أكد في حديث تلفزيوني ان «علم إقليم كردستان» كان مرفوعا في كردستان منذ 10 سنوات! وان التصعيد الإعلامي بخصوص هذا الموضوع «هدفه التشويش على الانتصارات»! والعبادي هنا يتجاهل متعمدا الفرق بين ان يرفع علم بشكل غير رسمي، وبين قرار رسمي صادر عن السلطات التشريعية والتنفيذية في محافظة كركوك برفع العلم! ثم صدر قرار من مجلس الوزراء العراقي يوم 4 نيسان/ ابريل، أكد فيه ضرورة احترام الأطر الدستورية، وضرورة الحوار، وعدم الانفراد بالقرارات! ثم دعا الدكتور العبادي في حديث متلفز محافظ كركوك «بقلب سليم» للتراجع عن قرار رفع العلم، والمحافظة على وحدة كركوك. واحترام الدستور وعدم اتخاذ قرارات فردية! وكان من اللافت للنظر اشارة العبادي إلى أن القرار «كان مفاجئا لنا»! على خلاف حديثه السابق عن العلم المرفوع من عشر سنوات! او حديث التصعيد الإعلامي بهدف التشويش على الانتصارات! 
بموازاة ذلك، كان ثمة موقف صريح من حكومة الإقليم، ومن القوى الكردية المختلفة، بالوقوف إلى جانب القرار، في مقابل رفض عام من الأطراف العربية والتركمانية للقرار. وامتد هذا الرفض إلى تركيا وإيران، كما ان بعثة الامم المتحدة عدته خطوة «أحادية الجانب» قد يعرض للخطر حالة الانسجام والتعايش السلمي في المحافظة.
في المقابل كانت كركوك أمام موقف تصعيدي آخر، فبعد رفض الاعتراف بقرار مجلس النواب، قرر مجلس المحافظة التصويت يوم الثلاثاء 4 نيسان/ أبريل على على «إجراء استفتاء في المحافظة لتقرير مصيرها».
وبعيدا عن الأفعال، والاستجابات، والأفعال المضادة. لا يريد أي من الاطراف المتصارعة الاعتراف بان «مشكلة كركوك» هي جزء من مشكلة جوهرية تتعلق بطبيعة العلاقة بين الإقليم والحكومة المركزية، وان هذه المشكلة الجوهرية حرص الجميع على «إخفائها» بتواطؤ صريح طوال سنوات ما بعد 2003. فمراجعة تحليلية للدستور العراقي تكشف عن حضور صريح لهذه التواطؤات في القضايا الخلافية جميعا! من المناطق المتنازع عليها، إلى النفط والغاز، إلى المياه، إلى البيشمركة. وكان واضحا ان هذه التواطؤات لم تكن سوى نتيجة للضغط الامريكي حينها، وإلى عدم قدرة أي من الطرفين، الشيعي والكردي، بوصفهما الفاعلين الحقيقيين في عملية كتابة الدستور، مع وجود شكلي سني مفروض امريكيا (قاطع السنة العرب انتخابات الجمعية الوطنية التي كان يفترض بها كتابة الدستور مما اضطر الأمريكيين إلى فرض بعد الشخصيات السنية إلى لجنة كتابة الدستور). ان يتوافقوا على حل هذه المعضلات. ومن بين الاشكالات الكبرى التي تواطأ الكل على عدم الخوض فيها، المادة 140 من الدستور التي اشارت إلى المادة 58 من قانون إدارة الدولة لعام 2004، دون تحديد المناطق المتنازع عليها! وبالتالي ظل تعيين هذه المناطق خاضعا للتأويل، ولعلاقات القوة، بعيدا عن النص الدستوري! تماما كما هو الحال في تأويل المادتين 111 و112 المتعلقتين بالنفط والغاز، اللتين وضعتا بين المادة 110 المتعلقة بالصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية، والمادة 114 المتعلقة بالاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم! وهو ما أطلقت عليه في حينه «المنزلة بين المنزلتين»! فضلا عن الاختلاف في تفسير العبارات الواردة في هاتين المادتين! فقد كان واضحا منذ البداية أن كلا الطرفين، الشيعي والكردي، كانا يرغبان في تمرير الدستور بالسرعة المطلوبة امريكيا، والاعتماد لاحقا على علاقات القوة في فرض التأويل الذي يراه كل منهما! 
على جانب آخر، لم يعمد أي من الطرفين المتصارعين، الحكومة الاتحادية، او الإقليم، خلال الفترة منذ 2003 الى اليوم، إلى التوجه إلى «المحكمة الاتحادية»، صاحبة الاختصاص الحصري بالفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية، وحكومة الاقاليم! فيما يتعلق بالنفط والغاز على سبيل المثال! كما لم يفكر أحد، ولن يفكر، بالتوجه للمحكمة الاتحادية للفصل في النزاع المتعلق برفع العلم، او بالاستفتاء المفترض! فهما يدركان تماما ان المحكمة الاتحادية محكمة مسيسة من جهة، ويعلمان تمام العلم أن الصراع سياسي وليس صراعا دستوريا او قانونيا، وان التواطؤ السابق بينهما سيتيح لكل طرف الاحتجاج بما يوفره النص الدستوري نفسه!
من المهم الانتباه أيضا إلى ان الحديث عن «حكومة اتحادية او مركزية» في العراق هو حديث مجازي تماما! فلا وجود حقيقيا لمثل هذه الحكومة! بل هناك حكومة يحتكر القرار العسكري والامني والسياسي والاقتصادي فيها رئيس مجلس الوزراء! وهو لا يعبر في النهاية إلا عن وجهة نظر الفاعل السياسي الشيعي حصرا! وهذا الفاعل السياسي الشيعي ليس مستعدا لقطيعة نهائية مع الفاعل السياسي الكردي بأي حال من الاحوال، لأنه قد يحتاج اليه في صراعه الأهم مع الفاعل السياسي السني! فالمعادلة السياسية في العراق بعد 2003 كانت دائما على شكل مثلث، يقف الفاعل السياسي الشيعي والفاعل السياسي السني في طرفي قاعدته، في حين يعتلي الفاعل السياسي الكردي أعلى رأس المثلث، ومن ثم فان حركة الاخير هي التي ترجح ميزان الصراع بين الطرفين الأولين! وبسبب هذه المعدلة فان الفاعل السياسي الشيعي ليس مستعدا لمواجهة حاسمة، لا بشأن كركوك، ولا بشأن أي من القضايا الأخرى. وسيبقى في إطار المناورة والبروباغاندا ليس أكثر. 
أما بالنسبة للفاعل السياسي السني، فهو لا يمتلك القدرة عمليا على اتخاذ موقف واضح ومحدد من المشكلات الجوهرية الحقيقية المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، لأنه تعلم من درس السنوات الماضية انه بحاجة إلى تحييد الموقف الكردي في إطار صراعه الحقيقي مع الفاعل السياسي الشيعي! ومن ثم فهو يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه امام جمهوره في كل تمظهر من تمظهرات هذه المشكلة الجوهرية، لاسيما انه لا يمتلك الجرأة لمصارحة جمهوره بهذه الحقيقة، لهذا فهو يكتفي بالمناورة والمراقبة!

نقلا عن القد س العربي