مقاربات من أجل إصلاح التلفزة الموريتانية ـالحلقة الأولى-

خميس, 2017-05-04 11:17
سعيد ولد حبيب

تعتمد هذه المقاربة في حلقتها الأولى على تشخيص واقع هذا المؤسسة العريقة عبر المرور بالسياق التاريخي وصولا الى ما الت اليه الاوضاع في الوقت الراهن

 و سوف تتضمن الحلقات المقبلة بحول الله تعميق الافكار والخروج بمقترحات نرجو ان تشكل مساهمة في اصلاح التلفزة الموريتانية

حتى منتصف الثمانينات كانت نظرة الموريتانيين الى الصورة  مقيدة بعدد من الفتاوى تذهب في بعض جوانبها الى عدم جواز التصوير او النظر  الى الصورة رغم ان السينما كانت سباقة الى الظهور في شكل دور عرض وتجارب مسرحية طغى عليها عدم الحرفية والتقليد والكوميديا

  لكن ذلك لم يمنع من مواكبة الدولة الناشئة لضرورة العصر من حيث بناء اجهزة اعلامية حكومية تلمع صورة الحاكم وتسوق خطاب النظام، وكان الاعتماد على الوكالة الرسمية للانباء بطبعتيها الشعب و"اوريزون" والاذاعة

 لقد شكلت الشعب والاذاعة اهم وسيلتين اعلاميتين استقطبتا عددا من الاطر والكفاءات والمواهب الشابة التى كانت تتمتع بمستويات ثقافية عالية عززتها ثقافة محظرية واحاطة باللغة العربية والفرنسية

 وسوف تعتمد التلفزة الموريتانية فيما بعد على عدد من تلك الكفاءات كصحافيين وفنيين  بعد ان حظيت بدعم في مجالات التكوين في الجوانب الفنية لعدد من الطلاب في بعض الدول العربية تحصل معظهم على تكوينات في مجالات  الاخراج السينمائي وليس التلفزيوني ولكنهم شكلوا القاطرة التى تحركت عليها قناة وليدة في مجتمع بدوي

البدايات الأولى للتلفزة الموريتانية لم تكن تثير كثيرا  من الاهتمام والملاحظات نظرا لحداثة التجربة وكذا لعدم وجود متخصصين في الاعلام المرئي، ولان الحصول على جهاز تلفزيون ليس متاحا للكثيرين فان تاثيرها  ظل محدودا بينما تركز الاهتمام بالاذاعة وكانت التلفزة جزء مما كان يعرف بهيئة الاذاعة والتلفزة وصولا الى بداية التسعينات حيث  تم الفصل بينهما واصبحت التفزة الموريتانية مؤسسة تتمتع باستقلاليتها الادارية والمالية

لقد اصبحت التلفزيون مع بداية التسعينيات مركز اهتمام لدى السلطة لما صار لها من تاثير وانتشار في ظل الطفرة على مستوى الاقمار الصناعية وسهولة الحصول على صحون التقاط البث الفضائي، في نفس الوقت الذي تحسن فيه اداء طواقمها بالتحاق عدد من الكفاءات بها وهي كفاءات سوف تتسرب لاحقا تحت ضغط لوبيات كانت قد تاسست بدعم على مايبدو من دوائر امنية  ، ليكون العامل الاساس في الحصول على وظيفة هو مدى قدرة الموظف على نقل وتبادل المعلومات بين عمال التلفزة والادارة ، فازهرت الوشاية كسلاح للبقاء، ويبدو ان ذلك الاسلوب ما يزال يلقي بظلاله على المؤسسة ويشهد فترات ازدهار من حين لاخر     

ان هذه الوضعية  اثقلت كاهل القناة واثرت على ادائها مهنيا فلم تقم بدورها كخدمة عمومية وانما كرست خطابا احاديا وضحالة في مستوى المنتوج  لا يحترم ابسط قواعد العمل التلفزيوني ولكنه يقدم  مادة غير مصنفة لا تصلح مادة اذاعية ولا تصلح مادة تلفزيونية

، وهي حالة اصبحت مزمنة فكل محاولة اصلاح تصطدم بها فتتحلل داخلها وتتحول من ارادة اصلاح الى طاحونة فساد تتغلغل وتنتشر اخطبوطيا في ميكنزمات المؤسسة وتجعل من أي محاولة اخرى للتغيير قفزة في المجهول

حقبة حمود ولد محمد  

تولى ادارة التلفزة عدد لايستهان به من المسئولين بعضهم صحافيون تم عيينهم وفق حسابات سياسية وقبلية وبعضهم ليسوا صحافيين تم تعيينهم انطلاقا من نفس الاسباب ، فالمرجعية في نهاية المطاف هو تسيير تلك المؤسسة بناء على رؤية الفرد وتطبيقا لاجندته.

وفي تلك الاثناء تولى السيد حمود ولد امحمد ادارة التلفزيون وهورجل ثقة الرئيس الاسبق معاوية ولد الطايع وبعد فترة وجيزة  اطيح بولد الطايع ، ورغم الولاء الكبير لولد الطايع فان ولد امحمد لم يجد كبير عناء في التعامل مع الواقع الجديد والتحكم في السيطرة على الاشارة بحيث لا يقع خطا يعود بالمشاهدين الى الماضي القريب ، وبحسب من تحدثوا لي عن تلك الحقبة فان ولد امحمد تمكن من تحصين القناة امام أي مادة قد تتضمن كلاما جارحا ضد الرئيس وعائلته واختصر على الهجوم على النظام دون ذكر اسم معاوية في الهجوم

تمكن ولد امحمد في غضون سنتين من انتهاج خطة بالمشاركة مع مجموعة شباب موهوبين وبالتعاون مع الكوادر والطاقات التى كانت مهمشة في التلفزيون من تطوير مستوى المنتوج ، كما ساهم في حلحلة بعض المشاكل الاجتماعية

 ولعل ابرز قرار اتخذه هو ترسيم عشرات العمال الذين ذاقوا عبودية المكان وهي عبودية يرزح في قيودها عشرات اخرون اليوم، ودون الخوض في هدف ولد محمد حينها من عمليات الترسيم تلك الا انه لم ينطلق في استراتيجيته تلك من الية تحترم الكفاءة والجدارة من الترسيم وانما انطلق على ما يبدو من عامل انساني واجتماعي وهو ما انعكس جليا في ترسيمه اخرين بات بعضهم عبئا ثقيلا على القناة تدفع حتى اليوم جزء من تبعات ترسيمه لما ترتب على ذلك من حقوق ينوء جسم التلفزة الهزيل حاليا عن حمله ولعدم قدرتهم على  اداء العمل المنوط بهم على اكمل وجه ،

لقد شكلت تلك العملية جزء من تركة ثقيلة سوق يقف مديروا المؤسسة الاحقين عاجزين عن حلحلتها وذك رغم حاجة التلفزة الماسة الى دماء جديدة خصوصا مع تحرير الفضاء السمعي البصري وظهور فضائيات اخرى منافسة فضلا عن المنافسة الخارجية

  بعد هذه الحقبة  اسندت ادارة مؤسسة التلفزة الى عدد اخر لم يمكثوا على ادارتها فترة طويلة ، لذا فان تقييم عملهم ليس واردا في هذه المقاربة واكثر ما يمكن ان يقال عنهم انهم لم يتركوا بصمة تذكر ، والبصمة بالمناسبة قد تعني اثرا ايجابيا وقد تعني اثرا سلبيا وقد تعني  الاثنين معا كما هول حال بصمة حمود ولد امحمد ، اما بالنسبة لتقييم فترة السيدة خيرة بنت الشيخاني المديرة العامة الحالية  فلا يمكن ان نصنفها ضمن الخيارات السابقة الا بعد انصرافها ، لكننا يمكن ان نتحدث عن مؤشرات تشي بوضعية صعبة ما يمكن ان يضعها  في خانة  الصمة السلبية

حقبة الدكتورة خيرة بنت الشيخاني

شابة في مقتبل العمر حظيت وبسرعة بتقبل حسن في دوائر صنع القرار ، فاختطفت الاضواء بظهورها ونشاطاتها وشخصيتها الطيبة ، ثم اوكلت اليها مهمة تسيير التلفزة الموريتانية في وقت كانت في امس الحاجة الى قوة خارقة  لإنقاذها... ويبدو ان الدكتورة خيرة سلمت مفاتيح الحل والعقد ومنحت التسهيلات الازمة للقيام بشيء جدي وايجابي  منذ البداية

 سوف نلاحظ  بعد مرور اربع سنوات من ماموريتها ان وتيرة  عملها بدات مثيرة وتنم عن جدية لكنها للاسف انحدرت نحو نفق مظلم مالم تتجرا على اتخاذ خطوات جادة في الوقت بدل الضائع

ويكمن سر هذا العجز في اقدامها على تنظيم مسابقة لدعم القناة بكفاءات جديدة تحتاج اليها ثم تركهم فريسة  لتلاعب غير مسبوق، ليضطر بعضهم الى الهجرة ويرغم بعضهم الاخر على ترك القناة بقرارات طرد جماعية ، وتيقى قلة منهم تكابد دون عقود ...

في الحلقة القادمة نتناول حقبة الدكتورة خيرة بنت الشيخاني بتفاصيل اكثر