تجلّي الديمقراطية الحقة في فرنسا

خميس, 2017-05-11 09:16
أحلام أكرم

فجأة وبدون سابق إنذار في إبريل 2016، ظهر حزب سياسي غير معروف في فرنسا.. أسسه شاب لم يتجاوز 38 من العمر، ومن خلال حملتة الإنتخابية وسيرة حياته الذاتية أثبت للناخب الفرنسي بأنه قادر على إحداث التغيير المناسب لفرنسا وأكّد للمواطن الفرنسي الحرص على مصالحه ولكن بدون الإنعزال وأن محاولة الإنعزال والخروج عن الإعتراف بكونية وعولمة العالم سيضر بمصالحه الإقتصادية أولآ.. إضافة إلى الإحتمال الكبير في دخول فرنسا دوامة عنف بين مواطنيها.. إخترق المشهد السياسي وبسرعة فائقه إنتزع الزعامة السياسية عن حزبي اليمين واليسار ليقلّص من سلطتهما التي إستقرت لعقود في الذهنية الفرنسية.
حملته الإنتخابية إستندت على التأكيد على مبادىء الثورة الفرنسية ضاربة حملة منافسته زعيمة اليمين المتطرف ماريان لوبان في القلب حين إستندت في حملتها على الترويج لقيم تختلف تماما عن قيم الحرية والمساواة والإخاء التي أعطت الشرعية للثورة الفرنسية في الماضي.. 
شاب في التاسعة والثلاثون من العمر.. خريج إحدى كليات النخبة في فرنسا. من وسط راقي – عمل في بنوك روثشايلد وتدرج السلم السياسي لي’صبح أصغر وزير إقتصاد.. إستقال في الوقت المناسب للتركيز على حملته الإنتخابية. التي ترفض كل أشكال التيار المحافظ و’ملتزمة بكل المبادىء الفرنسية والتقدمية. وفاز ليصبح أصغر رئيس للجمهورية الفرنسية.. خطاباته بعد الفوز لم تتغير.. ركّزت وأيّدت ما وعد به خلال حملته الإنتخابية بدون أي تناقض بين المبادىء والعمل على أهداف تحميها.. كلها نمّت عن فهم عميق للعالم وللتغييرات العالمية.. وتتمسك بعضويتها في الإتحاد الأوروبي.. ’معتبرا أن قوة فرنسا من قوة الإتحاد وأن لدية البرنامج الإقتصادي لفرنسا الذي يتكيّف مع العولمة.. والبرنامج السياسي المؤيد لإحياء كل الروابط مع الإتحاد. والتحديث السياسي من خلال فتح حزبه لكل الأطياف السياسية الأخرى حتى تلك المنافسة له.. فليس هناك من يمين ولا يسار فقط بل هناك فرنسا واحدة تعمل لصالح كل مواطنيها وتحثهم على المشاركة في القرار السياسي.
من خلال حملته وعى الناخب الفرنسي بدوره وبمسئوليته عن فرنسا وعن حقوقه كإنسان ومواطن يريد حياة جديدة تضمن له الإستقرار السياسي.. وتضمن إقتصاد مترافق مع تنمية مستدامه تعمل لصالح قوته ومستقبل اولاده. 
ولكن وبرغم فوزه الساحق وبأغلبية تفوق كثيرا عن مرشحة اليمين المتطرف ماريان لوبان إلا أن الحزب والرئيس الحالي يعلم بأنه سيواجه تحديات كبيرة بدأ الحزب بدأ بالتحضير لها بالعمل على تقديم مرشحين للإنتخابات التشريعية لإعطائه أغلبية نيابية تدعمه خاصة وأن لوبان هي المرشحة الأولى لقيادة المعارضة.. 
من أهم التحديات التي تواجه الرئيس الفرنسي الجديد.. 
أول وأكبر التحديات تتمثل في إعادة الوحدة السياسية والمجتمعية بين أطياف المجتمع الفرنسي التي ثبت إنقسامها من خلال فوز لوبان ب 35% أي ان ثلث الفرنسيين توجهوا للتطرف المفروض أنه غريب على المبادىء الفرنسية.. إضافة إلى 4 ملايين ورقة بيضاء تؤكد وجود إحتجاج صارخ من شريحة مجتمعية كبيرة على أخطاء السياسيين الماضية وخوفهم مما هو آت؟؟ 
ثانيا الإقتصاد.. والذي ’يمثل عصب الإستقرار السياسي للدولة 
برغم إحتفال أرباب العمل بإنتخابه لإصلاح قانون العمل.. إلا ان هناك إنقسام حاد بين مطالبات أرباب العمل والنقابات العمالية. هذا الإنقسام ظهر واضحا في المظاهرة التي حشدت لها النقابات في مظاهرة الأمس (الإثنين 9-5) إي بعد يوم واحد من فوزه. وتخوفهم من تصريحه خلال الحملة الذي صرّح به أنه يفضل إصدار القوانين بعد الحصول على تفويض من البرلمان؟؟؟ 
هناك خلل كبير بين قطاعي التجارة والقطاع العام سببها التراجع عن التصنيع؟؟
النسبة العالية من العاطلين عن العمل التي ’تقدّر ب 10.1% وزاد من تفاقمها وصول أعداد كبيرة من المهاجرين واللاجئين من ثقافات مختلفة عن الثقافة الفرنسية. 
ثالثا مشكلة الأمن سواء الداخلي من خلال وجود متطرفين فرنسيين والأمن الأوروبي من خلال تزايد اعداد المهاجرين 
إضافة إلى المشكله التي تواجهه في كيفية التعامل مع بريطانيا وخروجها من الإتحاد وما يستلزمه هذا الخروج من أعباء مادية ترفض بريطانيا الإلتزام بها وتطلب التفاوض بشأنها إضافة إلى الأعباء الأمنية التي ستتطلبها فكرة منع المهاجرين من الوصول إلى بريطانيا، والتي تعهد خلال حملته الإنتخابية بإعادة التفاوض معها حول تواجد موظفيها على المعبر الحدودي وفحص اوراق الداخلين قبل خروجهم من فرنسا.. الأمر الذي واجهته بريطانيا بقرار أن ’تحمل شركات الملاحة عبء فحص وتدقيق الداخلين والتأكد من حصولهم على تأشيرة قبل السماح لهم بالدخول. 
هناك أسئلة عديدة لا ’يمكن التكهن بإجاباتها..’ترى هل ’يحفّز ما حصل في فرنسا المواطن البريطاني على إعادة النظر في خروج بريطانيا من الإتحاد؟؟؟ هل فوز ماكرون بهذه الأغلبية سيحفز دول الإتحاد الأخرى ( النمسا ) التي يتصاعد فيها اليمين المتطرف لإعادة النظر في قرارها حول إستمرار عضويتها أم الخروج من الإتحاد؟؟ هل ستحظى رئيسة الوزراء الألمانية أنجيلا ميركل بالفوز بولاية جديدة للرئاسة؟؟؟ أنا واثقه بأن إجابات كل هذه الأسئلة ’مرتهنه بأي عمل إرهابي مهما كان صغيرا.. وواثقه أيضا بالديمقراطية التي فتحت الباب على مصراعية لثورة شباب جديدة ومن نوع آخر تمثل في فوزه وفي عمله على إشراك كل شرائح الشعب الفرنسي في البرلمان.. 
ولكن وبرغم التحليلات السابقة وصعوبة التحديات إلا أنني لا يسعني سوى الإعتراف بقيمة الديمقراطية في إحداث التغييرات اللازمه والملائمة للعصر وللتطور ثم التحسّر على الإنسان العربي المحروم من كل حقوقة وخاصة حقه في الترشح.. وحقة في الإختيار وحتى حقه في الحياة.. ويبقى مسجونا في قيود التقاليد والعرف والعادات والرفض لكل الحريات بإسم الدين لتعطي شرعية لأنظمة قمعية عفى عليها الدهر وشرب. 

نقلا عن إيلاف