مجلس انتقالي جنوب اليمن.. دعوة للانفصال ببصمة إماراتية

أحد, 2017-05-14 00:44

دخل اليمن مرحلة جديدة بعد إعلان “مجلس انتقالي جنوبي”، برئاسة محافظ عدن السابق، عيدروس الزبيدي، الذي أقُيل قبل أسبوعين وسط اعتبار البعض أن الحكومة الشرعية التي واجهت انقلابًا في صنعاء قبل ما يزيد عن عامين، تواجه اليوم أيضًا ما يمكن وصفه “انقلابًا” جديدًا في عدن، “العاصمة المؤقتة”، كما وصفتها الشرعية و”العاصمة الجنوبية”، كما يصفها الانفصاليون.

وعقب صدور ما سُمي “إعلان عدن التاريخي”، الذي كلف الزبيدي بتشكيل قيادة جنوبية بات اسم عيدروس الزبيدي، المحافظ السابق لعدن جنوبي اليمن، مسبوقًا بلقب “القائد” في أغلب التناولات والبيانات الإعلامية الصادرة عن مكونات “الحراك الجنوبي” ووسائل الإعلام التابعة له.

ولم تكد تمر أيام على صدور “إعلان عدن التاريخي”، حتى أعلن الزبيدي، تأسيس مجلس انتقالي في المحافظات الجنوبية لليمن، ليصبح الزبيدي رئيسًا له، واضعًا اليمن أمام منعطف سياسي جديد لا يقل خطورة بالنسبة لبعض المراقبين عن الانقلاب الذي شهدته صنعاء من قبل جماعة الحوثيين والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وما أفرزه من تداعيات على البلاد.

وظهر الزبيدي، المعروف بأنه مدعوم من الإمارات العربية المتحدة، في إعلان متلفز الخميس، وخلفه راية الشطر الجنوبي لليمن قبل توحيد البلاد في عام 1990، ليعلن عن تأسيس المجلس الذي يضم 26 عضوًا، يرأسهم الزبيدي، وفقًا لقرار صدر يحمل الرقم “1”، لسنة 2017، لكنه أكد في الوقت ذاته، على الاعتراف بشرعية الرئيس عبدربه منصور هادي، ودعا إلى “حل يمني يعتمد على التقسيم الفدرالي إلى إقليمين”.

المهمة الجديدة للزبيدي، الذي أقاله الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي أخيرًا من منصبه كمحافظ لعدن بعد خلافات عدة، تبدو أقرب إلى “تتويج” لسلسلة الأدوار السياسية والعسكرية التي أداها في الجنوب بعد حرب 1994، وسط انتقادات لخطوة تأسيس المجلس الانتقالي ووصفها من قبل البعض بأنها تمثل “مسمارًا في نعش الحكومة الشرعية، لا سيما أنه ضم السلطات المحلية لأغلبية المحافظات الجنوبية والشرقية في البلاد”.

 

بصمة إماراتية

إلى ذلك، جاءت الطبقة الأولى من أسماء أعضاء المجلس، بمثابة المفاجأة غير المتوقعة والمثيرة للجدل، إذ شملت خمسة محافظين للمحافظات الجنوبية والشرقية لليمن من بين ثماني محافظات. والمحافظون هم، محافظ حضرموت أحمد سعيد بن بريك، ومحافظ شبوة أحمد حامد لملس، ومحافظ لحج ناصر الخبجي، ومحافظ سقطرى، سالم عبدالله السقطري، ومحافظ الضالع، فضل الجعدي، فيما كانت المحافظتان اللتان غابتا عن التشكيلة، محافظ المهرة الواقعة شرق البلاد ومحافظ محافظة أبين التي تعد مسقط رأس الرئيس هادي وعدد من القيادات الموالية له. وتعدى اختراق المجلس المحافظين، إلى عضوين من أعضاء الحكومة وهما ووزير النقل مراد الحالمي، ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات، لطفي باشريف.

ويعتبر ورود أسماء خمسة محافظين (لم تذكر صفتهم الوظيفية في الإعلان)، بمثابة أبرز دلالة تمثل ضربة قاصمة للحكومة الشرعية، وتعكس بطريقة أو بأخرى، أن محافظات جنوب اليمن، التي تصل مساحتها إلى ثلثي مساحة البلاد، خرجت أو في طريقها للخروج من سلطة الشرعية، التي يقيم أبرز مسؤوليها في العاصمة السعودية الرياض.

وبدا واضحًا وجود بصمة إماراتية بإضافة أسماء المحافظين، إذ إن بعضهم لا يفترض أن تكون أسماؤهم ضمن مجلس “انقلابي جنوبي”، كمحافظي حضرموت وسقطرى وشبوة، ما لم يكن لديهم ضوء أخضر من التحالف العربي، ممثلًا بالإمارات، التي تتصدر واجهة حضور التحالف جنوبي وشرقي اليمن. وقد جاء الإعلان بعد أيام، من أنباء عن زيارة سرية قام بها محافظ حضرموت، أحمد بن بريك، إلى ابوظبي، فُسرت بأنها في إطار جهود أبوظبي لإقناعه بالانضمام للمجلس.

ولا يبدو الوضع مطمئنا خاصة بعد اعلان هاني بن بريك الذي عينه عيدروس نائبا له بالمجلس بعد اقالة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، له من منصبه كوزيرا للدولة، أن الخطوة القادمة لمجلسهم، هي تشكيل مجلس عسكري، “سيتبع بإذن الله المجلس العسكري الجنوبي”، في مؤشر على استمرار الخطوات التصعيدية من قبل القيادات الجنوبية.

وقال بن بريك، وهو من المعروفين بقربهم من الإمارات العربية المتحدة، وقيادي سلفي نافذ: “لم نستأذن مخلوقًا في تقرير مصيرنا وأرضنا بيدنا، وسنموت دونها وخلفنا شعب بإرادة لا تقهر، ولن نخضع إلا لله”.

 

هادي يرفض المجلس

وجاء تصريح بن بريك في أعقاب بيان للقيادة اليمنية الشرعية، التي يترأسها عبدربه منصور هادي، أعلنت فيه رفضها القاطع الاعتراف بما سُمي بـ”المجلس الانتقالي الجنوبي”، واعتبرته ضمن تصرفات تخدم انقلاب جماعة “أنصار الله” (الحوثيين)، وحليفها علي عبدالله صالح.

وأضاف البيان أن هذه التصرفات “تبقى أعمالًا لا أساس لها ولن تكون محل قبول مطلقا وهي إنما تستهدف مصلحة البلد ومستقبله ونسيجه الاجتماعي ومعركته الفاصلة مع المليشيات الانقلابية للحوثي وصالح، ولا تخدم إلا الانقلابيين ومن يقف خلفهم، بل وتضع هذه الأعمال القضية الجنوبية العادلة موضعًا لا يليق بها”.

وأكد البيان على “وحدة الهدف الذي لأجله قامت عمليات التحالف العربي (عاصفة الحزم وإعادة الأمل) بإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة وبسط سلطاتها على كافة التراب اليمني والسير في تنفيذ مخرجات الحوار الوطني نحو بناء اليمن الاتحادي الجديد”.

 

موقف دول التعاون

وفي أول تعليق رسمي من دول الخليج؛ عبّر مجلس التعاون لدول الخليج العربي عن رفضه الصريح لتشكيل محافظ عدن المقال، عيدروس الزبيدي، ما يسمى بـ”مجلس الحكم الانتقالي” لإدارة المحافظات الجنوبية، بمشاركة 26 شخصية.

ودعا المجلس جميع مكونات الشعب اليمني إلى “نبذ دعوات الفرقة والانفصال، والالتفاف حول الحكومة الشرعية، لبسط سلطة الدولة وسيادتها واستعادة الأمن والاستقرار في كافة مناطق البلاد”.

وحسب وكالة الأنباء السعودية (الرسمية)، فقد جدّد مجلس التعاون لدول الخليج العربية “مواقفه الثابتة تجاه وحدة وسيادة الجمهورية اليمنية والحفاظ على أمنها واستقرارها”، كما أكد دعمه لـ”جهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل إلى حل سلمي للأزمة اليمنية، وفقًا للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن رقم 221”.

ودعا المجلس إلى “إعادة الأمور إلى نصابها حتى يتسنى للشعب اليمني الشقيق استكمال تنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل، والتي عالجت القضايا اليمنية كافة، بما في ذلك القضية الجنوبية”.

وشدد على أن جميع التحركات لحل هذه القضية يجب أن تتم من خلال الشرعية والتوافق اليمني الذي مثلته مخرجات الحوار.

وجاء موقف دول الخليج بعد ساعات من دعوة رئيس الحكومة اليمنية، أحمد عبيد بن دغر، دول التحالف العربي لـ”الخروج عن صمتها تجاه ما يحدث في المناطق المحررة، خصوصًا مظاهر الأزمة في عدن”، لافتا إلى أنه “باستطاعة التحالف السيطرة عليها”.

وقال بن دغر، في مقال بعنوان “قبل فوات الأوان”، ونقلت مضمونه قناة “اليمن” الرسمية، إن “بعض مظاهر الأزمة في عدن يستطيع التحالف السيطرة عليها، وعدن وأزمتها اليوم إمّا أن تكون بداية لمعالجة المشكلات، أو بداية لهزيمة سوف تكبر مع الأيام، وتكبر معها الروافد التي ضاعفت من عمق أزمة الأمة العربية كلها”.

 

احتلال أمريكي

من جهته، قال المتحدث باسم جماعة أنصار الله (الحوثيين)، في اليمن، محمد عبدالسلام، في بيان له، إن “ما يحدث في الجنوب من حديث عن مجلس هنا أو هناك إنما هو تجلٍ لأهداف الاحتلال الأميركي الموكول أمر تنفيذه إلى الإمارات لإقامة مشاريع صغيرة، وهو ما يعد قفزًا على التاريخ والحضارة، معتقدة أن الجنوب ساحة خصبة لبناء نفوذ وقوة استعمارية، وهذا وهْمٌ سينقشع غباره عما قريب”.

وأضاف ناطق الحوثيين “اليمن شعبًا وتاريخًا طاردٌ لكل قوى الاستعمار في الجنوب وفي الشمال على السواء، ولتعلم تلك القوى الطامعة أن بيع الوهم بات – في هذه المرحلة التاريخية – بضاعة كاسدة”.

وتابع “كما هي أقل من ثلاث سنوات كانت كافيةً لتلاشي ما زعم بالشرعية، ليظهر جليًا ما كان يخفى تحتها من أهداف على شاكلة مشاريع استعمارية -فلن يطول الزمن كثيرًا حتى تسقط”.

وحذر ناطق الحوثيين “مما يحدث في الجنوب باعتباره تهديدًا “لوحدة أراضي الجمهورية اليمنية” يندرج ضمن “مخطط استعماري” في انقلاب ينفذه من أسماهم “المتشدقين” بما يسمى “بالشرعية الدولية” المتمثلة في “مجلس الأمن” المتضمنة جميعها “الحفاظ على وحدة أراضي الجمهورية اليمنية”.

وقال “هذا إثباتٌ آخر” تقدمه أميركا والإمارات وكل من وصفها بـ”قوى العدوان” أنها “هي الانقلابية، وهي المتمردة على شرعية الشعوب، وشرعية أصحاب الأرض وأصحاب الحق”، على حد قوله.

 

عيدروس والجنوب

ويتحدر عيدروس قاسم عبد العزيز الزُبيدي، من محافظة الضالع، معقل “الحراك الجنوبي”. وولد في مديرية زُبيد، في 1967، وهو ذات العام، الذي استقل فيه جنوب اليمن واحتفل بخروج آخر جندي للمستعمر البريطاني في 30 نوفمبر. وكأغلب السياسيين والقادة من تلك المناطق التحق بالجيش، وتخرج من كلية الطيران والدفاع الجوي، وشارك خلال الحرب الأهلية في عام 1994، ضمن القوات التي خسرت الحرب، لينزح عقب الحرب إلى جيبوتي.

ويمثل عام 1996، نقطة تحول محورية في تاريخ الزبيدي، إذ عاد في العام نفسه إلى البلاد، ليكون مؤسسًا، أو من أبرز مؤسسي أول حركة جنوبية تتبنى عمليات مسلحة ضد القوات الحكومية، وهي “حركة تقرير المصير” (حتم)، التي تطالب بفصل الجنوب عن الشمال أو ما يُسمى بـ”تقرير مصير الجنوب”.

وتعكس خطوة تأسيس حركة مسلحة شجاعة الزبيدي ورفاقه في فترة كانت تعتبر فيها مثل هذه الدعوة تطورًا خطيرًا يستدعي الملاحقة من قبل الحكومة. وبين عامي 1996 و1998 نشطت الحركة بعمليات عسكرية استهدفت قوات حكومية، قبل أن تتعرض الحركة للملاحقة من قبل الحكومة، وصدر حكم غيابي بالإعدام ضد الزبيدي. وفي عام 2000، أصدر الرئيس السابق، علي عبدالله صالح عفوًا، أدى إلى إسقاط الحكم. ونشط الزبيدي عقب ذلك كمعارض، ضمن تكتل أحزاب اللقاء المشترك.

في عام 2007، كان اليمن على موعد مع انطلاق فعاليات جماهيرية واحتجاجات في المحافظات الجنوبية من قبل المتقاعدين والمسرحين من وظائفهم، قبل أن تتطور المطالب إلى الدعوة لانفصال الجنوب عن الشمال، وفقًا لما كان سائدًا قبل توحيد البلاد في العام 1990. وكان الزبيدي من أبرز القيادات الفاعلة في تلك الاحتجاجات التي عرفت لاحقًا بـ”الحراك الجنوبي”. وتعد محافظة الضالع، بمثابة المعقل الأهم، أو المسلح إن صح الوصف لـ”الحراك الجنوبي”. وتعتبر المحافظة النقطة الأكثر سخونة في الحوادث والاشتباكات منذ سنوات. ويعد الزبيدي، وإلى جانبه، مدير الأمن في عدن حاليًا، شلال علي شائع، من أبرز رموز “الحراك” في المدينة.

 

صحيفة التقرير