«أزمة قطر» بين الخامس من حزيران والعاشر من رمضان

جمعة, 2017-06-16 05:15
عماد شقور

تتسابق الأحداث في عالمنا العربي هذه الأيام وكأن ليس هناك غد ولا متسع في الوقت. ففي عشرة أيام فقط، وبأقل من أسبوعين، تزاحمت أخبار ووقائع «تكفي» بلدا مثل الدنمارك أو فنلندا لأكثر من عام، حتى لا نقول لأكثر من أعوام عديدة.
يوم الاثنين من الأسبوع الماضي كان حافلا بأحداث جسام، تفجرت فيه أزمة الدول الخليجية ومعها الشقيقة العربية الكبرى مصر، في وجه قَطَر. وبعدها بيومين اثنين فقط انفجرت قضية تحديد القيادات الكردية في إقليم كردستان العراق ليوم الخامس والعشرين من ايلول/سبتمبر المقبل، لإجراء استفتاء حول مستقبل ذلك الإقليم الطامح للاستقلال. وقبل يومين حسم البرلمان المصري بإعادة السيادة على جزيرتي تيران وصنافير في البحر الاحمر، عند مدخل خليج العقبة، للملكة العربية السعودية. 
كل واحد من هذه الأحداث، جدير بالتحليل والدراسة والمتابعة، لانعكاس تأثيراته الفورية والمستقبلية على مجمل الأوضاع في منطقتنا العربية وكامل الإقليم وقضايا الصراع والتجارة والاقتصاد العالمي.
نبدأ بالحدث الأول: انفجار الصراع في وجه قطر بدرجة غير مسبوقة. هذا الحدث الذي أرى، ومعي كثيرون، على ما أعتقد، كان متوقعا بشكل مؤكد، منذ أكثر من عقدين، وتحديدا منذ تولي الشيح حمد زمام القيادة في قطر. بل ويتفق كثيرون أنه انفجار جاء متأخرا كثيرا عما كان متوقعا. ولعل هذا التأخير، تحديدا، هو ما جعل انفجاره يعطي هذا الدّوي القوي.
منذ إنشاء وإطلاق قطر فضائية «الجزيرة» كان واضحا وجلياً لعين كل خبير متابع مدقق إنها فضائية عصرية تتقن بتميّز وامتياز فن صناعة الخبر الصحيح والتعامل معه ونشره، في أجواء عالم عربي مغرق في التخلف وحجب الأخبار، وتطعيم ذلك التفوق في نشر الخبر الصحيح الدقيق والسريع، بكم لا يحصى من البرامج المدمِّرة، من اختيار «على المقاس» لتقديم «شاهد على العصر»، مرورا بتخصيص ساعات وساعات لـ«علماء دين» يتقنون فن التحريض، إضافة لتخصيص ساعات لهذا «المفكر العربي» أو ذاك، وبرنامجين ذائعي الصيت: «الاتجاه المعاكس»، و«الرأي والرأي الآخر»، مع حرص دقيق، في الغالب الأعم من الحلقات، على اختيار الأفضل والأقوى لطرح وجهة النظر المتماشية مع سياسة جماعة الإخوان التي تساندها وحلفائها، واختيار الأضعف لعرض وجهة النظر المقابلة. لكن كل ذلك لا ينفي دورا إيجابيا غاية في الأهمية، لعبته قناة «الجزيرة» باقتدار، في تحريك البركة الآسنة لمجمل وسائل الإعلام في العالم العربي، وأدّت، مشكورة، إلى إغنائه.
نجحت قطر، مستعينة بقدراتها المادية الضخمة، في تحشيد عدد هائل من الناس من مشارب شتى، مشارب متكاملة ومتناقضة في الوقت ذاته. تيارات دينية من جميع الأطياف، متزمتة وأكثر تزمتا، وتيارات قومية و«قومجية» ويساريون حاليون وسابقون، لتصنع منهم «خلطة» موصوفة لأحداث انفجارات يعرف الناس كيف تندلع، لكن لا أحد يعرف كيف وإلى ماذا ستنتهي. كل ذلك بهدف لعب دور خليجي وإقليمي ودولي أيضا، تؤكد حقائق الواقع الجغرافي والبشري والتاريخي استحالة نجاحه. لكن الأخطر من ذلك أن دوي اصطدامه بجدار الاستحالة يصم الآذان، وقد يغري باعتماد طريق العناد والمكابرة المدمرة، ومن بوادرها الخطيرة الاستعانة بحليف خارجي على شقيق وجار، متناسين حكمة شاعر العرب: «ومن يجعل الضرغام بازا لصيده… تصيّده الضرغام فيما تصيّدا».
من المفارقات الملفتة، المضحكة المبكية، أن هذا الحدث العربي، انفجر بتاريخ عجيب، هو يوم الاثنين من الأسبوع الماضي، الذي تصادف أن يكون تاريخاً ليومين متناقضين من «أيام العرب»: يوم الخامس من حزيران/يونيو، ويوم العاشر من رمضان، بكل ما يثيره الأول من ألم، وما يثيره الثاني من اعتزاز. فهل ستكون نتيجة «الأزمة القطرية» أقرب إلى الخامس من حزيران 1967، أم تكون أقرب إلى العاشر من رمضان 1393هـ (6 تشرين الأول/اكتوبر1973م)؟ ذلك هو السؤال.
نصل هنا إلى الحدث الثاني في هذا المسلسل، حدث إعلان قيادات إقليم كردستان العراق قرار إجراء استفتاء في الإقليم حول استقلاله، وتحديد يوم 25 من ايلول/سبتمبر المقبل لإجرائه.
لم يكن مفاجئا أن يكون رد الفعل التركي على قرار الاستفتاء هو الأكثر حدة، حيث وصفه رئيس الحكومة التركية، بن علي يلدريم، أنه «قرار غير مسؤول»، وأن «المنطقة لا تحتمل». تركيا تعتبر قضية الأكراد قضيتها الاستراتيجية الأولى، ففيها 15 مليون كردي يشكلون 20٪ من عدد سكانها، و55٪ من الأكراد في العالم. وإيران، التي يشكل خمسة ملايين كردي فيها 6٪ من عدد سكانها، اكتفت بإعلان أنها «لا تؤيد» إجراء الاستفتاء. أما بريطانيا فأعلنت، على لسان سفيرها في العراق، أن «الوقت غير ملائم» في حين رفضته بغداد وتخوفت من تداعياته الاقتصادية.
أعتقد بأن الموقف الذي يجدر بالعرب اتخاذه تجاه هذا القرار الكردي، وكل القضية الكردية، هو الترحيب والتعاون وبدء صياغة تحالف عربي كردي متين، لما فيه مصلحة القوميتين والأمتين: العربية والكردية. لذلك الاعتقاد أسباب عديدة، لامجال لتسجيلها هنا، وأكتفي بتسجيل ثلاثة منها فقط:
ـ لأن من الحق والعدل والإنصاف أن يتمتع الأكراد في العالم بحقهم الطبيعي في تقرير المصير. وتأييد هذا التوجه العربي يفتح الباب لعلاقات عربية كردية سليمة ومتينة، تنعكس إيجابا على المصالح القومية العربية.
ـ لأن مثل هذه السياسة تدحرج «الكرة الكردية الملتهبة» بعيدا عن الأرض العربية، وتدفعها إلى الحضن التركي والحضن الإيراني، لتنشغلا بفكفكة هذه الكرة والتعامل مع ما فيها من جمر.
ـ لأن اعتماد هذه السياسة من جانب العرب، يبدأ بوضع حد، ومن ثم نهاية، للتحالف الكردي الصهيوني/الإسرائيلي، الذي بدأت خيوطه الأولى منذ أواسط ثلاثينات القرن الماضي.
ننتهي هنا إلى الحدث الثالث في هذه الأيام العشرة الأخيرة: قرار البرلمان المصري يوم الاربعاء الماضي بخصوص إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، وحسم مسألة إعادة السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، وإبقاء الجزيرتين تحت الإدارة المصرية.
هذه الخاتمة لقضية الجزيرتين، تعيد الروح إلى الاتفاقيات الاستراتيجية بين مصر والسعودية، التي وقعتها الدولتان العربيتان المركزيتان في العام الماضي، أثناء زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز لمصر. ويأتي هذا تمهيدا لبدء مشاريع جبارة تربط قارتي آسيا وافريقيا، تربط المشرق العربي بالمغرب العربي بتواصل بري، متجاوزين العائق الإسرائيلي المتمثل باحتلالها لصحراء النقب الفلسطينية، وصولا إلى أم الرشراش/ايلات على خليج العقبة، مع كل ما يرافق ذلك من إحياء لشبه جزيرة سيناء، ويدعم بشكل حاسم الاقتصاد المصري الضعيف، وانعكاس كل ذلك إيجابيا على الشعب المصري، وكل ما يترتب على ذلك ويثيره من أمل بالمستقبل، ويفتح أبوابا للتقدم والازدهار.

نقلا عن القدس العربي