تحية إلى أستاذنا في الثانوي

أربعاء, 2017-07-12 09:45
محمد كريشان

أربعون عاما كاملة لم أره أو ألتقي به، ومع ذلك أذكره كلما هممت بكتابة أي نص مهما كان.
كان لا يمل من أن يوصينا بألا ندوّن حرفا واحدا دون أن نأخذ مهلة كافية للتفكير نضع فيها هيكلا عاما للنص الذي نعتزم كتابته. بداية نفكر جيدا في المقدمة التي يجب أن تطرح الإشكالية المرغوب الخوض فيها، ثم نضع المخطط العام لجوهر هذا النص بمحورين أو ثلاثة تشرح هذه الإشكالية وتفكك مضامينها، على أن يكون المرور بينها سلسا تجنبا لأية مطبّات ركيكة تهز من انسيابية النص وجماله، وصولا في النهاية إلى خاتمة طبيعية تلخص المسألة كلها أو تحيلنا إلى آفاق أخرى جديدة.
كان يرفض بشدة فكرة أن يكتب أي منا مسودة ثم يراجعها ليشرع بعدها في كتابة نصه النهائي، كان يقول لنا هذه إضاعة للجهد والوقت، إكتبوا فقط الكلمات المفاتيح ضمن المنهجية التي وضعتموها في البداية، ثم انطلقوا في كتابة ما لديكم وأنت تضعون نصب أعينكم أن على هذه الأسطر أن تكون أجمل ما يكون لأنها هي النهائية ولا مجال لشطبها لاحقا أو كتابة غيرها.
هذا الرجل لم يكن رئيس تحرير صحيفة بل هو مدرسنا للغة العربية في الثانوية العامة والسنة الدراسية التي سبقتها بالمعهد الثانوي للذكور بمدينة صفاقس التونسية عامي 1976 -1977. كان الأستاذ محمد المعالج يتبختر في القاعة، بكل ثقة وعجرفة محببة، يحدثنا عن رسالة الغفران لأبي العلاء المعري وطوق الحمامة لابن حزم والإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي والسد لمحمود المسعدي والأيام لطه حسين وغيرها، دونما أوراق بين يديه أو على مكتبه يسترق النظر إليها بين الفينة والأخرى. كان أشبه بالــ «حكواتي» الذي حبـّـــبنا في الأدب العربي وفي رواده.
كان صارما في القول والتأكيد وإعادة التأكيد أن لا قيمة لأي شيء نكتبه إن لم تكن له منهجية واضحة في العرض تجعله مفهوما ومتناغم الفقرات متسلسلها. كان يقول ويكرر بأن بإمكان أي منا أن يكتب نصا بمتانة نصوص طه حسين أو عباس محمود العقاد أو مصطفى المنفلوطي ولكنه لن ينال استحسانه ورضاه هو ما لم يـُـــقدم إليه ذلك بشكل متماسك، يحكمه ناظم منطقي تحيل فيه كل نقطة إلى تلك التي تليها.
وصل بنا الخوف من قصة «المنهجية»، تعويذته المفضلة، أن كتب أحدنا قصيدة باللهجة التونسية، حوّلناها وقتها إلى أغنية نتسلى بها، تقول كلماتها:
والمشكل في العربية… 
المعالج كله خشونية (قوة).. 
علم النفس ومنهجية..
البريما ياخوشي 12 !! (أفضل واحد فينا لن يظفر بتقييم أعلى من 12 على 20).
إيمانه الشديد بأن منهجية الطرح أهم من صياغة النص أو متانة الأسلوب جعله يقدم على شيء غير مسبوق على الإطلاق. كان يدخل القاعة ويوزع علينا موضوع الامتحان ثم ينصرف موصيا الموظف الإداري الذي يتركه هناك بأن بإمكان الطلبة أن يخرجوا الكتب التي يريدون، والأوراق التي يشاؤون، وأن ينسخوا منها ما عنّ لهم، دعهم يفعلون ما يريدون ويتبادلون الأوراق والكتب بينهم كما يرغبون!! كان يبتسم ويقول سأعرف بنفسي ما الذي كتبتموه بأنفسكم وما الذي استوليتم عليه، ما هي أفكاركم واستنتاجاتكم وما المقتبس منها أو المسروق!! دبـّـــجوا ما شئتم فإن لم تكن هناك منهجية في الطرح، وحبكة واضحة في النص، مع مقدمة مقنعة وخاتمة مناسبة وإحالات أمينة، فلن تنالوا مني إلا أسوأ تقييم.
دخلت الجامعة لدراسة الإعلام وهذه النصائح والتعليمات الصارخة تلاحقني عند كل كتابة، وظلت تلازمني حتى بعد التخرج والتحاقي بعدد من صحف الرأي التونسية، أو مراسلا لعدد من الصحف العربية، وهي معي إلى الآن وكأن أستاذنا الجليل ما زال يقف أمامنا ناصحا وحــــاثا ومقرّعا.
كنا نعرف وقتها أنه من كوادر الحزب الحاكم «الحزب الاشتراكي الدستوري» بزعامة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة حتى أنه على ما أذكر تحمل لفترة مسؤولية الحزب في مدينة صفاقس، لكنه ما كان يخلط أبدا بين تفانيه في تدريس الأدب العربي والسياسية، ولا حاول أبدا أن يخوض معنا في أي شأن سياسي محلي أو وطني، كما أن التزامه الحزبي هذا ما غير من احترامنا وحبنا له رغم حماسة الشباب التي من مواصفاتها طبعا كره السلطة والرغبة في التمرد عليها. 
سألت عنه وأنا أكتب مقالي هذا فقيل لي إنه ما زال يقيم في مدينته صفاقس بصحة وعافية… أطال الله عمرك أستاذنا الفاضل وإليك مني كل الحب والامتنان الذي يحمله كل واحد منا درس على يديك. شكرا جزيلا لك…

نقلا عن القدس العربي