الشاهد الملك «ضد نتنياهو»

أربعاء, 2017-08-09 09:45
محمد كريشان

آري هارو… من منّا سمع بهذا الاسم من قبل، أو أعاره اهتماما خاصا، أو ظل عالقا بذهنه لسبب أو لآخر؟!! 
لا أحد على الأرجح، لكن من الآن فصاعدا، سجـّـلوه عندكم، سيتردد إسمه في الأخبار كثيرا. هذا الرجل هو من وقـّـع الجمعة الماضية على اتفاق مع النيابة العامة الإسرائيلية ليكون «شاهد ملك» ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. والـــ«شاهد ملك» هو من يعرف على أنه الشخص الذى يـُـعفى من جريمة اشترك فيها بالعلم أو بالفعل مقابل تقديم شهادته والاعتراف بكامل تفاصيلها والإبلاغ عن باقى الجناة المتورطين معه. وعادة ما يعرف اسم هذا الشاهد بعد أن يتم التوصل معه إلى صيغة تضمن له عقوبة مخففة مقارنة بما كان سيصيبه لو واصل التستر أو ضبط في النهاية مع باقي المتهمين. 
آري هارو هو الرئيس السابق لطاقم موظفي ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية وكان لعدة سنوات مساعدا مقربا من نتنياهو حيث شغل مناصب مهمة في ديوان رئاسة الحكومة على فترتين، الأولى سنة 2009 حين عين مديراً عاماً للديوان وقدم استقالته بعد عام لينتقل إلى عالم الأعمال، والثانية سنة 2014 حين تولى رئاسة طاقم الديوان. وتعتقد الشرطة الإسرائيلية أن هارو يملك معلومات قيمة وأدلة دامغة ضد نتنياهو. وكانت الشرطة أعلنت يوم الخميس الفائت أن نتنياهو مُشتبه به في تلقي رشوة والاحتيال وخيانة الأمانة. 
وللقضايا المتعلقة بنتنياهو أرقام مميزة كالتهم المنسوبة إليه: الأولى هي «القضية 1000» والمتعلقة بالحصول على هدايا ثمينة من رجال أعمال بخلاف القانون، والثانية معروفة بـ»القضية 2000» وهي عن اتصالات له مشبوهة مع ناشر صحيفة «يديعوت أحرونوت» سجـّـل هارو جزءا منها بهاتفه الذكي، أما الثالثة فهي «القضية 3000» و تتصل بصفقة غواصات. و تشير التقارير الواردة في الصحافة الإسرائيلية إلى أنه في مقابل هذه المعلومات ستقدم بحق هارو لائحة اتهام مخففة في قضية فساد أخرى تبين أنه ضالع فيها، كما ستُفرض عليه عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة لمدة ستة أشهر ودفع غرامة مالية ليست ثقيلة جدا. 
وفي تجاهل لهذا التطور المخيف في قضايا الفساد المتعددة التي تحيط به، سعى نتنياهو إلى أن يبدو متماسكا و هو يحاول جاهدا إخفاء فزعه فقد قال في شريط فيديو نشره على صفحته الخاصة في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» إنه «لا يعير اهتماماً لأصوات الضجيج في الخلفية» وإنه «سيواصل عمله في خدمة الجمهور». الأولى من الصعب أن يناقشه فيها أحد، أما الثانية فليست أكيدة، فوفق ما كتبته صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية الناطقة بالإنكليزية أول أمس فإن أمام نتنياهو ثلاثة سيناريوهات مختلفة، بعد أن وقع مدير مكتبه السابق وأمين سره، آري هارو، ذلك الاتفاق مع النيابة الذي يزيد من احتمال إدانته. السيناريو الأول أن نتنياهو يملك خيار عدم الاستقالة حاليًا، وهو ما يفضله وما سيفعله، أما السيناريو الثاني فهو تنحيته من قبل الوزراء والذهاب لانتخابات مبكرة، أما الثالث فهو انتظار قرار النائب العام، الذي من الممكن أن يمتد حتى عام 2018. 
السيناريو الأول هو المفضل لدى نتنياهو، حسب الصحيفة، لأنه لن يكون بإمكان الشرطة الإسرائيلية التوصية بتقديم لائحة اتهام ضده قبل نهاية هذا العام، وعندها فقط سيخضع نتنياهو لجلسات استماع تستغرق وقتا طويلا بحيث قد لا يوجه المستشار القضائي للحكومة الاتهام رسميا له إلا في نهاية سبتمبر/ أيلول من ذلك العام، وهنا سيصبح نتنياهو بعد هذا التاريخ صاحب أطول فترة حكم في تاريخ إسرائيل، متفوقا على ديفيد بن غوريون، المؤسس وأول رئيس وزراء بعد قيام دولة إسرائيل والذي ظل في منصبه من نوفمبر/ تشرين الثاني 1955 إلى يونيو حزيران 1963. 
قيمة ما سيدلي به «الشاهد الملك» ستحدد إلى حد كبير مسار قضايا الفساد التي تلتف كالحبل حول عنق نتياهو، هو وزوجته في قضايا فساد منفصلة ضدها هي الأخرى، فرغم أن أنصار رئيس الحكومة الإسرائيلية يروجون من الآن أن ليس بحوزة آري هارو وثائق و مستندات قوية يمكن أن تدين صاحبهم إلا أن لا شيء معروفا من خفايا القضية يمكن الجزم به من الآن. 
«الشاهد الملك» هو الذي يعلق عليه خصوم نتنياهو في المعارضة كل آمالهم في النهاية لأنه سيكشف كل مستوره، إذ ليس أسوأ من أن ينقلب عليك أقرب المقربين ممن ظننتهم مستودع أسرارك، كما أن الفلسطينيين الذين لا يراهنون عادة على أي تغيير في القيادة الإسرائيلية قد يتنفسون برحيله الصعداء، و كذلك الكثير من القادة الأوروبيين الذين سئموا من تطرفه و مراوغاته التي عرقلت أية إمكانية لتحقيق أي تقدم في مسار التسوية. شخص واحد فقط قد يأسى لرحيله هو دونالد ترامب… و لكن من يدري فقد يرحلان معا في نفس الفترة؟

نقلا عن العربية نت