لماذا يشيح العالم بوجهه بعيدا عن مأساة الروهينجا؟

ثلاثاء, 2017-09-19 09:25
عمرو حمزاوي

بوسعي أن أدبج الكلمات القادمة في قدح حكومات الدول الكبرى التي لم تحرك ساكنا لإنقاذ أقلية الروهينجا المسلمة من التصفية العرقية التي تنفذها بحقها حكومة ميانمار (بورما). ولن أعدم من العبارات ما يمكنني إن من توجيه الاتهام بارتكاب جرائم ضد الإنسانية لحكومة ميانمار، وهو اتهام مشروع في ضوء الحقائق المتوفرة والمتداولة عالميا، أو من مطالبة حكومات البلدان الإسلامية ومؤسساتها الدينية الرسمية بالنشاط الدبلوماسي والإغاثي لمساعدة الأقلية المضطهدة. كذلك ليس بعسير بالنظر إلى مقالات الرأي التي تنشر هذه الأيام في الصحف الغربية والعربية حول مأساة الروهينجا وتحذر من خطر تحول شبابهم إلى وقود «لداعش جديدة» ولموجة جديدة من الإرهاب والتطرف ستضرب شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، ليس بعسير أن أضيف إليهم مقالا يذكر بالتحليلات الحاضرة في البحث الأكاديمي حول الإرهاب والتي تجمع على وجود علاقة ارتباطية بين التعرض للاضطهاد والعنف والتمييز وبين تبني الأفكار والأفعال المتطرفة والنزوع لاستخدام العنف كرد فعل وكميكانزم انتقامي / تعويضي خاصة من قبل الشباب.
في الجوهر، لا تختلف التصفية العرقية التي تواجهها اليوم أقلية الروهينجا عن جرائم التصفية العرقية التي شهدتها منطقة البلقان الأوروبية في تسعينيات القرن العشرين، وتهدد أن ترك جنرالات حكومة ميانمار وشأنهم بأن تصبح إبادة عرقية ممنهجة تتشابه مع مذابح رواندا وبوروندي التي أدمت القارة الإفريقية أيضا في تسعينيات القرن الماضي. في البلقان كما في رواندا وبوروندي، تدخلت الدول الكبرى (الغربية في المقام الأول) دبلوماسيا ثم عسكريا لإنقاذ المضطهدين ووضع نهاية للعنف. بالقطع، تعددت دوافع التدخل الأمريكي والأوروبي الغربي في البلقان وحضرت المصالح الاستراتيجية في حسابات الحكومات التي حركت جيوشها باتجاه يوغسلافيا السابقة. وفي رواندا وبوروندي، لم يغب تماما بعض اعتبارات الماضي الاستعماري وبعض المصالح الاقتصادية والسياسية عن قائمة دوافع الغرب للتدخل لإيقاف الإبادة العرقية هناك. غير أن الحقيقة المؤكدة، وكما وثقتها مذكرات لفيف من صناع القرار في الإدارة الأمريكية والحكومات الأوروبية الغربية آنذاك، هي أن الاعتبارات الإنسانية المتمثلة في إنقاذ مضطهدين ضعفاء والانتصار لحقهم في الحياة والأمن في وجه جرائم التصفية والإبادة والعنف كانت حاسمة في دفع الغرب إلى التدخل العسكري. وعلى ذات القدر من الأهمية كان تبلور رأي عام أمريكي وأوروبي يرفض أن يترك مسلمو البلقان في وجه الآلة العسكرية الصربية دون حماية دولية، أو أن تتواصل إبادة أقلية التوتسي والجرائم المفزعة التي ارتكبت بحق النساء والأطفال والعجائز دون أن تسعى الحكومات صاحبة الجيوش المدججة بالقطع العسكرية لإيقافها. فأين ذهبت الاعتبارات الإنسانية في حسابات الحكومات الغربية الحالية وهي تنظر إلى الجرائم المرتكبة بحق أقلية الروهينجا في ميانمار؟ 
ولماذا يخفت اهتمام الرأي العالمي الأمريكي والأوروبي بالأمر إذا ما قورن بجرائم التسعينيات في البلقان وفي رواندا وبوروندي وعلى الرغم من كون مأساة الروهينجا لم تبدأ بالأمس القريب؟
لدي طيف من التفسيرات الممكنة لتلك الاستقالة الدولية من حماية الروهينجا والامتناع عن الضغط الفعال على جنرالات حكومة ميانمار لكف عنفهم عن أقلية تقتل وتحرق منازلها وتطرد من بلاد سكنتها منذ عقود طويلة وتنتمي إلى نسيجها المجتمعي. ولست في طرح التفسيرات هذه بباحث عن مبررات أخلاقية أو سياسية للاستقالة الدولية المخزية من حماية الروهينجا، بل أطرحها لكي نرى الدرك الأسفل الذي بلغته حكومات الدول الكبرى المتحكمة في مصير الإنسانية المعاصرة وحتى ندرك أن البدائل الواقعية المتاحة لنا كمواطنين ومجتمعات مدنية لإنقاذ المضطهدين والتضامن معهم بعيدا عن الحكومات لا تتعدى توثيق ما يرتكب بحقهم من جرائم والتوعية بحتمية مساءلة ومحاسبة المتورطين وإن طال الزمن فضلا عن التضامن الإنساني بالمعنى الإغاثي.
التفسير الأول هو أن الحكومات في واشنطن والعواصم الأوروبية الرئيسية والعواصم العالمية الهامة لديها من الأزمات المتراكمة ما يشغلها عن الاهتمام الجاد بمأساة الروهينجا ويدفعها من ثم بعيدا عن التدخل لحمايتها. على رأس قائمة الأزمات تأتي أمور كالخطر النووي الذي تفرضه حكومة كوريا الشمالية على الغرب والعالم، والإرهاب المتأسلم الذي يضرب الغرب والشرق، والحروب الأهلية المتفجرة في سوريا وليبيا واليمن وبقاياها المستمرة في العراق. مع قائمة كتلك تختلف الأوضاع العالمية عن «السلم والاستقرار» النسبيين اللذين حضرا في عقد التسعينيات في أعقاب انتهاء الحرب الباردة واندثار خطوط الصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي باختفاء الأخير. أما التفسير الثاني فيرتبط بكون الحكومات الغربية، في واشنطن والعواصم الاوروبية الرئيسية، يعلو بداخلها اليوم الوزن السياسي للقوي الشعبوية (واشنطن ولندن) أو على الأقل تواجه داخل أروقتها خطر صعود القوى الشعبوية وأجنداتها الكارهة للآخر وللغريب وللتدخل الخارجي والمتبنية لرؤى وطنية ضيقة (من قبيل أمريكا أولا). في أجواء كهذه يستحيل الاهتمام الفعال بجرائم التصفية العرقية لأقلية تسكن بعيدا في آسيا أو يكتفي الجميع بعبارات الإدانة الدبلوماسية وبإرسال المساعدات الإنسانية إلى حيث يطرد المساكين المضطهدين من الروهينجا. ثم لدي تفسير ثالث يتعامل مع غياب تفاعل الرأي العام الأمريكي والأوروبي، وبالتبعية العالمي، مع مأساة الروهينجا؛ تفسيري يقول أن الرأي العام في الغرب وبعيدا عنه تابع خلال السنوات القليلة الماضية وعلى شاشات التلفاز وعبر الوسائط الإعلامية المتنوعة من المآسي الإنسانية في سوريا وليبيا واليمن والعراق وفي بلدان أخرى وأيضا على شواطئ المتوسط ما حصنه سلبيا ضد التفاعل مع التصفية العرقية لمسلمي الروهينجا. المشاهد تتكرر، ومن ضمنها المشاهد المفزعة للقتل والحرق والدمار والعنف، ومع تكررها يحصن الناس عقولهم وضمائرهم ومن قبلها حواسهم ضد التعاطف والتضامن مع المضطهدين لكونهما لا يكفيان ابدا لوضع حد لجنون الإنسانية المعاصرة.

نقلا عن القد س العربي