قراءة في الانتخابات الألمانية | الصحراء

قراءة في الانتخابات الألمانية

خميس, 2017-10-12 08:26
عبد الحسين شعبان

فاز المحافظون (التحالف المسيحي وقوته الأساسية الحزب المسيحي الديمقراطي بزعامة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل) في ولاية رابعة، ولكن هذا الفوز حمل معه مفاجأتين من العيار الثقيل: المفاجأة الأولى هو تناقص عدد المقاعد التي حصل عليها التحالف المسيحي قياساً لانتخابات العام 2013، أي أن فوزه كان بنسبة أدنى، حيث أحرز نسبة 33% من المقاعد بانخفاض 8.5%.

والمفاجأة الثانية هي الانتصار الملغوم الذي حقّقه “حزب البديل من أجل ألمانيا”، وهو حزب يميني شعبوي متطرّف ومناهض للهجرة وللمجموعات الثقافية المسلمة واليهودية وغيرها الموجودة في ألمانيا.

وشارك في الانتخابات 61.5 مليون نسمة من مجموع من يحق لهم التصويت 82.6 مليون إنسان بينهم 5 ملايين مسلم، وتجتمع في نظام الانتخابات الألمانية، الأغلبية إضافة إلى النسبية، وهو من الأنظمة التي ابتدعت بعد الحرب العالمية الثانية عند قيام جمهورية ألمانيا الفيدرالية العام 1949، وتتوزّع المقاعد البرلمانية اليوم على 6 أحزاب ويبلغ عدد النواب 709 نائباً في حين كان عددهم 630 نائباً في العام 2013، ومردّ هذه الزيادة هو نظام الانتخابات النسبي المعقّد في ألمانيا، والذي يقوم بانتظام إلى إعادة توزيع مقاعد إضافية على جميع الأحزاب الممثلة.

وبلغ عدد المقاعد التي حصل عليها التحالف المسيحي الذي تتزعمه ميركل 246 مقعداً، ويتبعه الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي فاز بـ 20.5% من المقاعد وبلغ عدد نوّابه 153 مقعداً بتراجع ملحوظ (5.2)، وقرّر زعيمه مارتن شولتز، إن حزبه سيختار المعارضة، وإن هزيمة حزبه هي هزيمة له أيضاً.

أما “حزب البديل” فقد حصل على 94 مقعداً بنسبة 12.6%، وذلك في إطار الشعبوية الغربية التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة الماضية، سواء في فرنسا أو بريطانيا أو هولندا أو الدول الاسكندينافية، إضافة إلى الفوز الذي حققه دونالد ترامب الرئيس الأمريكي في إطار خطاب شعبوي مثير ومفاجئ في الوقت نفسه، سواء بالموقف من اللاجئين أو فيما يتعلق بالعلاقات الدولية، والسياسة الداخلية بما فيها الموقف من القضايا الاجتماعية مثل نظام الرعاية الصحية(أوباما كير)  والانفاق على التعليم وغير ذلك.

أما الحزب الليبرالي (الديمقراطي الحر) فقد نال 80 مقعداً أي بنسبة  10.7% كما حصل حزب اليسار الراديكالي على 69 مقعداً وحزب الخضر على 67 مقعداً.ولعل الاختراق المهم في هذه الانتخابات هو ما حقّقه حزب البديل على حساب الحزب الاشتراكي وحزب اليسار ، إضافة إلى التحالف المسيحي، فقد استحوذ على نحو مليون صوت من رصيدها.

ومع إن حزب البديل حقق انتصاراً، لكنه كان بطعم الهزيمة، حيث تلقى صفعة سريعة عقب الانتخابات، حين انسحبت منه رئيسته فراوكه بيتري، مبرّرة ذلك برفضها السياسة العنصرية والشعبوية، التي اتبعها خلال حملته الانتخابية وانضم إليها نواب آخرون وقياديون من الحزب ذاته. وكانت تظاهرات عفوية قد انطلقت في برلين وكولونيا وغيرها من المدن الألمانية، تندّد بنهج حزب البديل، التي تُعتبر مدينة دريزدن عاصمة مقاطعة ساكسونيا إحدى معاقله الأساسية، وهي كانت ضمن إدارة ألمانيا الديمقراطية سابقاً، ولكنها الآن الأشد عداءً للاجئين والأكثر يمينية.

ومع إن حزب ميركل فاز بالأغلبية، لكن مثل هذا النصر كان مدافاً بطعم المرارة أيضاً، خصوصاً بإعلان حليفها الحزب الاشتراكي الديمقراطي عزمه على الانتقال إلى المعارضة، الأمر الذي سيضع أمامها خياراً صعباً وقاسياً ونعني به “التحالف الثلاثي” بدلاً من “التحالف الثنائي” المريح في السابق، وصار لزاماً عليها لتشكيل الحكومة التحالف مع “حزب الخضر” و”الحزب الليبرالي” (الديمقراطي الحر)، وهذا ما ينبئ بمفاوضات شاقة وعسيرة، بسبب اختلافات جوهرية في رؤية كل حزب من الأحزاب حول قضايا أساسية تتعلق بالعمل والتربية والبيئة، وهي حقول خلافية بينها.

وقد يفرض ميزان القوى الجديد على ميركل اتباع سياسات أقل اندفاعاً، سواء بخصوص اللاجئين أو بشأن بعض قضايا السياسة الخارجية، الأمر الذي ينتظر ما ستتمخض عنه نتائج المفاوضات لتشكيل الحكومة، وكانت ميركل قد واجهت انتقادات غير مسبوقة تجاه موقفها من استقبال اللاجئين بشكل خاص، لاسيّما من جانب حزب البديل الناشئ والذي تأسس في العام 2013 عقب أزمة اليورو، والذي تجاوز العتبة الانتخابية (5%) لأول مرّة، وسيكون وجوده في البرلمان مثيراً للإشكالات بسبب مواقفه السلبية من الإسلام والهجرة والاتحاد الأوروبي.

وحسب النظام الانتخابي الألماني فخلال 30 يوماً من موعد الانتخابات (أي ابتداء من 24 سبتمبر/أيلول) يفترض أن يجتمع البرلمان بانتهاء حكم المستشارة والحكومة التي تتحول إلى حكومة تصريف أعمال، لحين تشكيل حكومة جديدة وانتخاب مستشار خلال جلسات البرلمان، وإذا فشل البرلمان لثلاث مرات من انتخاب مستشار جديد، فيمكن لرئيس الجمهورية حلّ البرلمان وانتخاب برلمان جديد، وكانت ميركل قد نجحت في العام 2013 بعد 90 يوماً من التوصّل إلى صياغة برنامج التحالف الحكومي (بين المسيحيين والاشتراكيين) فهل تتمكن من ذلك الآن ؟ وكم ستحتاج هذه المرة؟

نقلا عن رأي اليوم