الشعر والشاي والقدس!

جمعة, 2017-12-15 15:31
خالد الفاضل

ذات عام بعيد هجرت شرب الشاي لمدة عام حتى تتحرر القدس. أذكر أيامها كنا ننتجع في فلاة رحبة نتعقب آثار المطر، ونقضي سحابة يومنا في جعل الأبقار الكسولة تنهض من مكانها، وقد انهكت مفاصلها ندرة العشب، كنا نتخذ ظلال الأشجار مستقرا لمتاعنا وأجسادنا، ولم يكن بحوزتنا ساعتها من وسائل الترفيه سوى الشاي وحبوب البسكويت الجافة وتعقب أخبار المطر..
كان جارنا وهو رجل شديد المرح وقليل الصمت، لا يدع المزاح حتى وهو يشيع بقرة قتلها الارهاق، وكان موت البقر يقرع أجراس الحسرة بشدة في قلوب ملاكه.
عندما تفطن جارنا لصمتي وعزلتي وأنا أفترش كل يوم ظلال المساء وعزوفي عن شرب الشاي؛ أصبح يلقبني بالإمام مالك، بينما كنت أنا منهمكا في نسج عدة قصائد محروقة القوافي، لا بحر لها ولا ساحل، أردت لكلماتها أن تحلق مع أسراب الطيور المسافرة نحو الشرق حتى ترسم قلبي على حائط البراق، كانت جل قصائدي مليئة بأغصان الزيتون، مع أنني لم أر شجرة زيتون من مكان قريب إلا في 2017 في بلاد تونس...
بعد عشرة أيام في مضارب " لعزيب "، اكتشفت أنه لا فائدة من وجودي مع القوم، فأنا لا أجيد الحلب وترويض الأبقار الحديثة الولادة والعنيفة، عجزت عن الوقوع في حب البقر وفهم حاجته الدائمة للأكل. عدت أدراجي على ظهر جمل مع جارنا، الرجل الذي يمزح مع ظله، والذي اكتشف في طريقنا الوعرة بين المفازات وأشجار القتاد والسيال أنني أتكلم!، بدا سعيدا جدا بذلك، فأهل البادية لا يطيقون الصمت والتفكير العميق..
صبغتني الشمس بأشعتها الحارقة، وقد حولت لوني من القمحي الفاتح إلى الأسمر القاتم، عدت لمدينة الحجارة لعيون، وهي ترتدي ثوبا قشيبا من الخضرة، وقد صقلت حجارتها أمطار أوائل أغسطس المدرارة، وقد تجلت لي ملامحها من فوق ربوة الثكنة العسكرية في حي متيوه العتيق شبيهة بالقدس، تخيلت القبة المنصوبة فوق دار الوالي شبيهة بقبة الصخرة. دلفت منزلنا جنوب المدنية في حي العرقوب المنزوي دون الجبال. بنيت دارنا زمن النكسة بالحجارة والصلصال وقد صمدت عقودا في وجه العواصف الرعدية وزحف مستوطنات الاسمنت، رسمت آنذاك على جدرانها المليئة بالتجاعيد صورة ياسر عرفات وهو يرتدي الكوفية. مع العام الدراسي الموالي، كنت منهمكا في كتابة الشعر، أتنقل ما بين القدس وعينيها!
بيد أن أستاذ العلوم، وهو رجل ضليع في علوم الأحياء والأرض، وكان يلقبه التلاميذ أيامها " بالبازلت "، وهي صخرة على ما أعتقد، كان يقطع درسه غالبا ليجوب بنا مفازات الثقافة والسياسة، وكان يقول: " إن الشعر هو سبب تخلف العرب "، بطريقة ما شعرت بالذنب والحرج من نفسي، فهجرت كتابة الشعر، وقد كانت آخر قصيدة كتبتها أوائل 2007، في أول سنة لي بالعاصمة، التي وجدتها تعيش نشوة " وهم التناوب السلمي ". لا أتذكر البتة عنوان قصيدتي الأخيرة؛ غير أنها كانت في الغزل السريع، فقد تأثرت آنذاك بثقافة الوجبات السريعة التي تباع في أزقة العاصمة، فكتبت قصيدة سريعة القوافي جلية المغزى، كانت وجهتها فتاة يافعة من ضحايا إصلاح 1999 التعليمي، لا أظنها شعرت بدفئ قافيتها.
خمدت نيران الشعر في مخيلتي وتحولت إلى قطع من الفحم الجاف، أخالها ساعدتني بعد ذلك في تسلق سلم الكتابة، ففي النهاية؛ الكتابة شعر سائل..
بعد أعوام طويلة قام الأهل بالتطبيع مع الاسمنت، فقد دهنوا جدران البيت واختفت صورة ياسر عرفات، وخلف الطلاء، توارت ذكرياتي مع انتفاضة الأقصى..
جاء " الربيع العربي "، وسقطت كل أوراق التوت!
تراجع " علماء الأمة " عن مقاطعة مشروب الكوكاكولا المنعش للغاية، وأصبح التطبيع يحدث أمام عدسة النهار والكاميرا، وباتت كل عاصمة عربية تردد نفسي نفسي.
استلمت إيران وتركيا راية التنديد اللفظي، بعدما توقف العرب عن الكلام المباح، الرباعية تحطمت عجلاتها داخل أحراش أوسلو، فلم يكن السلام يوما؛ طريقا سالكا نحو القدس، وحتى السلام نفسه لم يعد طريقا للسلام. 
تحت وطأة الوظيفة العمومية، قمت أنا أيضا بالتطبيع مع مال الدم، اشتريت بقرة فتية، لكي تنجب لي عجلا ذهبيا كل عام، وأصبح من ورائها ذا ثروة، واشتري ضيعة في مكان من الوطن، وأزرع فيها أشجار الزيتون وأبني فيها دارا، أرسم على جدرانها شوارع مدينة القدس.
فمدينة القدس وإن كانت بعيدة، ستظل قريبة من قلوبنا دائما، والأشياء الموجودة في القلب لا يمكن استيطانها مطلقا، كما أن الأسماء لا تغير ملامح الأماكن، فالقدس لن تبرح مكانها بكل تأكيد، وستبقى عاصمة أبدية لأهلها الذين يملكون مفاتيح بيوتها العتيقة، الذين زرعوا أرضها منذ عدة قرون بالقصائد والزيتون والصلوات..
عدت للشاي بعد عام لكونه منبه، والطريق إلى القدس لن يسلكها النائمون، وفهمت أن الشعر أيضا مثل الشاي منبه قوي للقلوب، طبعا العواطف وحدها لا تكفي، لكن معارك ملكية الأرض تحسم أولا في القلوب، وأخطر ما في التطبيع أنه يخرج الصراع من قلوبنا، ويجعله قابلا للتفاوض والتنازل.
هنا تيشيت. وهذا الشتاء لم يعد مسالما بالمرة، ورغم برودته الشديدة إلا أن الشيطان لا يزور أحلامي، آخر مرة فعلها كان ذلك قبل أزيد من شهرين في مدينة بنزرت...

نقلا عن صفحة الكاتب