المأمورية بين صلابة النصوص ونضج الشعب

أربعاء, 2018-01-10 14:24
سيد المختار علي

تتمم عملية تدوال السلطة في العالم المتحضر بشكل سلس عبر صناديق الاقترع  , وبدون أن يبدي المنهزم أي شك في مصداقية  العملية ,  ويفهم الرسالة بأن  الجماهير زاهدة فيه أو على الأقل متشبثة بخصمه على حسابه ويتبادل الطرفان التهانئ والشكر وبذلك يسدل الستار على صفحة من تاريخ تلك الدولة أو الأمة بما لها وما عليها

أما في عالمنا العربي والإسلامي فالتغير يحدث بشكل مفاجئ وعلى غفلة  من الحاكم والشعب معاً وفيما الناس لاهون في صخب الحياة وانشغالاتهم اليومية تطلع عليهم جماعة من الجيش معلنة نهاية نظام وبداية آخر والغريب أن الأمر يبرر باعتباره غيرة على الوطن العزيز وانتشالا له من يد طغمة فاسدة أحرقت الحرث ,أهلكت النسل واستجابة لأصوات الضحايا والمهمشين والفقراء والطبقات الرثة وتبدأ معاول الهدم  تصدح في النظام المنصرف وما يمت إليه بصلة ويبدأ المتملقون يبدلون جلودهم .

وهكذا يقدم الإنقلابيون رزمة من التعهدات ويشمرون عن سواعد الجد , فتعاد صياغة ترسانة  قانونية هامة ودسترة أمور تستحق ذلك كتحديد مأموريات الرئيس وتحقق مشاريع تنموية هامة ويعلن عن ضرورة القضاء على العبودية وتسوية ملف الإرث الانساني وتقطع العلاقات مع الكيان الغاصب  ويحارب الفساد بل وتحتضن السجون بعض رموزه بكل ثقلهم القبلي والاجتماعي والمالي , وتنتعش خزينة الدولة بفعل أموال تمت استعادتها من الفاسدين وتدعم بعض المواد الأساسية ويتضح للجميع أن بصدد إرادة سياسية وطنية بكر من نوعها إلا أن هذه الصورة الوضاءة ستبدأ تفقد بعض  بريقها بفعل عدم تقديم حلول جدية وناجعة لبعض الملفات الوطنية كالعبودية , وإعادة الاعتبار ومنح الثقة للمجردين من مهامهم بتهم الفساد رغم وجود جيوش العاطلين شيبا وشبابا , وزيادات الأسعار, وضعف الرواتب .ولست هنا في وارد تقييم أداء النظام . ومهما يكن من أمر فليس بدعا أن يقدم نظام  ما أحسن مما قدم سلفه فبورقيبه أسس لنهضة تونس والدكتاتور بن علي واصل نفس المسار أي الاستثمار في العامل البشري  والقذافي أقام النهر الصناعي العظيم والأمراء والملوك حولوا دولهم من صحاري قاحلة إلى جنان على وجه الارض . ورغم كل ذلك يظل المشير سوار الذهب في السودان و العقيد أعلي  بن محمدفال في موريتانيا علامتان فارغتان  بخصوص التنازل عن السلطة في عالمنا العربي والإسلامي المعاصر فما السر في ذلك ؟ !!

قرأت مقابلة مع أحد رموز صحافتنا الوطنية- ومن أكثرها اعتدالا وأعمقها تحليلا- يقول فيها ما معناه أن المأمورية الثالثة باتت وشيكة حيث تمت التعديلات الدستورية وغير العلم والنشيد الوطني وأخيرا العملة وقد  جرى كل هذا بسهولة في ظل معارضة محاورة وأخرى مقاطعة .

اعتقد أن هذا التحليل –مع احترامي له- يُغيب أو يتناسى عاملين أساسين أحدهما هو الشعب صاحب الإرداة ومانح الوكالة , فكيف نستسيغ إهماله وعدم التعويل عليه في تقرير مصيره , إن الشعب الموريتاني الأبي قد نضج وشب عن الطوق ولن يقبل التراجع قيد أنملة عن المكتسبات التي حققها . وثانيهما الدور الخارجي فهل سيسكت الغرب راعي الديمقراطية عن انتهاك الدستور؟  يضاف إلى هذا أن المعارضة المحاورة ترفض في عمومها _حسب ما نعلم- المأمورية الثالثة التي أوشك دعاتها على إفشال ورشات الحوار مؤخرا وتعد تصريحات رئيس الجمهورية عشية ختام الحوار حول المأمورية جهدا خالصا للمعارضة المحاورة , ومن يعتقد أن المعارضة المحاورة مجرد يكور فهو واهم !! فهي أصلب عودا وأشد تماسكا –على الأقل – بخصوص المأمورية حسب ما نعلم . يضاف  إلى ذلك  قوى المعارضة المقاطعة وما تختزنه من طاقات وروافد .اعتقد أن الذين يدعون لمأمورية ثالثة  في ظل ما يسميه البعض الجمهورية الثالثة سيتورطون في تضاريس الدستور ونصوصه الوعرة المنغلغة أمام أدوات التأويل والتخريجات  مهما كانت نجاعتها , كما سيستطدم بطوفان الجماهير التي ستدافع عن عرينها بكل ما أوتيت من قوة , وعليه فمن يراهن على تراخي الأحزاب السياسية ولا مبالاة الشعب فقد أساء التقدير فتحت الرماد اللهيب ومن يبذر الشوك يجني الجراح . !