الإكراه البدني بين ضرورات الإبقاء، ومطالب الإلغاء

جمعة, 2015-03-20 10:51
د/هارون ولد عمار ولد إديقبي

 دون تعمُّق.....

إذا كان تعريف الإكراه البدني لا يثير فقها عديد الإشكالات إذ يجمع الفقه على انه:" حبس المحكوم عليه مدة معينة يحددها الحكم الصادر به طبقا لمقتضيات القانون المنظم لهذا الإجراء القهري لإجباره على أداء ما التزم به أو أُلزم به قضاء"، فإن الفلسفة التي ينطلق منها نظام الإكراه البدني "La contrainte par corps" تثير جملة من الإشكالات العميقة تتردد بين اعتباره وسيلة للنفاذ للحق مسلَّطة على المدين في جسمه بالحبس لإرغامه على الوفاء لكونه لم يسدد ما عليه، أو سببا للتعدي على حرية الفرد بتسليط جزاء جنائي لإخلاله بالالتزام انتقاما منه ، ومردُّ هذا التردد إلى الأساس الفلسفي الذي يتبناه كل اتجاه في تحليله لجوهر الالتزام.

 فمن يرى أن جوهر الالتزام هو الرابطة الشخصية بين الدائن والمدين جعل للدائن سلطة على شخص المدين يكون بموجبها المدين مسؤولا عن التزامه لا في ماله فحسب بل في جسمه وفي حريته الشخصية [المذهب الشخصي]؛ مما يخول الدائن الحق في إنزال العقاب بالمدين  بقتله أو استرقاقه أو إجباره على العمل لمصلحته، وهي الفكرة التي تبناها ودافع عنها الفقهاء الرومان و اللاتين.

 ومن رأى أن جوهر الالتزام لا يقف عند الرابطة الشخصية بل يتعداها إلى محله و يرى في الالتزام عنصرا ماليا أكثر منه علاقة شخصية، ويفصله عن شخص الدائن و المدين [المذهب المادي]، وهي الفكرة المنتصرة التي تبناها الفقهاء الجرمان وعلى رأسهم الفقيه Gierek والتي تم تبنيها فيما بعد انتصارها في الفقه القانون، وبين المذهبين تتوزع تبريرات ضرورة إعمال أو إهمال بالإكراه البدني أخذا وإلغاء  في التشريعات الحديثة.

و أيًّا كانت تلك الاعتبارات فإن الإكراه البدني  لا يعد عقوبة جنائية تقليدية من حيث السبب و الغاية، فالحبس في الإكراه البدني سببه الامتناع عن الوفاء و الغاية منه إجبار المدين عليه، أما الحبس الجُرميّ فسببه إخلال بالنظام العام والسكينة و الأمن، وهو ما اهتدى إليه الاجتهاد القضائي  في فرنسا حين قررت الغرفة الجنائية، في 17 يونيو 1953  أن الإكراه البدني ليس بعقوبة بل وسيلة تنفيذية، ولا يوجد محكوم عليه بالإكراه البدني" [1].
و في موريتانيا لا يزال المشرع يحتفظ بمسطرة الإكراه المدني منذ [القانون رقم:242/70 بتاريخ:25 يوليو 1970 المتعلق بالإكراه البدني في الميدان المدني والتجاري، الذي تم إلغاؤه بموجب القانون رقم:035/99 بتاريخ:24 يوليو1999 المتضمن قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية، الذي ألغى كافة القوانين السابقة وعلى الخصوص الأمر القانوني رقم:164/83 بتاريخ:09 يوليو 1983 الذي ألغى القانون رقم:052\62 بتاريخ: 02\02\1962 المتضمن قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية] يحتفظ به كأحد الوسائل التهديدية لتنفيذ الأحكام و السندات التنفيذية التي يتم بواسطتها جبر المحكوم عليه بأداء مبلغ مالي تنفيذا لحكم أو سند تنفيذي عن طريق إيداعه في السجن لمدة معينة من اجل الضغط عليه، على الرغم من تشبث المشرع الوطني بالشرعية الحقوقية و دَسْتَرَتِه للالتزام بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان في ديباجة الدساتير الوطنية المتعاقبة، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية و المدنيــة الذي ينصُّ على انه :"لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي" [ المادة 11][2]، و هو ديدن غالبية التشريعات الحديثة التي لا تزال تطبق الإكراه البدني[3]، ويجنح بعضها يجنح إلى تضييق ذلك الأخذ كالتشريع الفرنسي والمصري اللذين ضيقا كثيرا من تطبيقات الإكراه البدني إلى حد إلغائه في الديون المدنية و التجارية، فقد ألغى التشريع الفرنسي الإكراه البدني في الميدان التعاقدي فيما يخص الديون التجارية والمدنية بموجب القانون الصادر بتاريخ: 22 يوليو1867، إلا أنه أبقى على هذا النظام كإجراء قهري بالنسبة للغرامات المالية والمصاريف القضائية وكذا التعويضات المدنية لفائدة الدولة، والمطالب بالحق المدني ما دام مصدرها الفعل الجُرمي  ، فيما تذهب أخرى إلى نبذ فكرة الإكراه البدني نظرا لكونها تخالف المبادئ المدنية الآنفة، وتتنافى مع كرامة الإنسان وآدميته،  باعتبار أن أموال المدين ضامنة لديونه ولا علاقة لها بشخصه وحريته.

وفي موريتانيا احتفظ المشرع بنظام الإكراه البدني  في ذيل مساطر التنفيذ الجبري في الميدان المدني [الباب السادس من قانون مسطرة الإجراءات المدنية المعدَّل المواد من:421 إلى 439] وفي هذا عزوف إلى المساطر القانونية الأخرى التي بإمكانها أن تجنب المكره الإهانة والإذلال، كما احتفظ به كوسيلة تنفيذية بالنسبة للإدانة بالغرامة أو الرد أو التعويضات أو المصاريف لصالح الدولة في مادة الجنايات أو الجنح أو المخالفات [الباب السادس من قانون الإجراءات الجنائية المواد:663 إلى 678].

ولعل مردّ ذلك في نظرنا عند تلمسنا لمبرر لإعماله في الميدان المدني على الأقل الذي أثار إشكالات عميقة في الفقه القانوني أكثر مما يثيره في الميدان الجنائي رغم الحراك الصاخب اليوم،  يعود ذلك في نظرنا إلى أمرين:

1\الضرورة التي تلجؤ لاتخاذ مسطرة فعالة لحفظ الحقوق نظرا لغياب ما يمكِّن من تتبع أموال المدين لغياب الوسائل الضرورية لتسجيل الأموال في موريتانيا.

2\تشبث المشرع بالمرجعية الفقهية الإسلامية التي تنظر إلى حال المدين وعلى أساسها توقع الإكراه البدني أو لا تعمله.

فالشريعة ترى أن المدين إما : موسر قادر على الخلاص فيكون مَطْله ظلما فلا يؤخر لحديث: "مطْل الغني ظلم" وبالتالي يكره بدنيا أو في التعبير الفقهي يحبس، أو معسر بالنقد وله عروض وأصول تحتاج في بيعها إلى زمان لان في قضائه ببيعها عاجلا إضرارا به فينظر بالاجتهاد على قدر المال قلَّ أو كثر، أو معدم مُبين لمعذرة بإقامة البينة على عُدمه فيجب إنظاره لميسرة ولا يكره بدنيا، أو متقِّعد على الأموال مدع للعدم فيكره بدنيا ( أو بتعبير الفقهاء يضرب ويسجن)حتى يؤدي ما عليه ولا يلتفت إلى دعواه بالعدم ولا ينجيه من الإكراه إلا حَمِيل (ضامن) غارم، أو مجهول الحال من كونه معسرا أو موسرا، فإما  أن لا تلحقه التهمة فيختبر بالحبس والتضييق بمقدار شهر إن كان الدين يسيرا كالدريهمات، أو شهرين في الدين المتوسط، أو أربعة أشهر في الدين الخطير، ويختلف ذلك باختلاف الناس ، وإما أن تلحقه التهمة و اللَّدَد بكتم المال فانه يحبس حتى يؤدي أو يثبت عدمه يحلف و يسرَّح ولا ينجيه من الحبس إلا حميل غارم للمال،  وفي هذا الإجمال بسط لمجمل المختصر عند قول خليل: "..وحبس لثبوت عسره إن جهل حاله ولم يسأل الصبر له بحميل ...إلخ" ،  وبسط لمنظوم التحفة عند قول ابن عاصم:

ومن عليه الدين إما موسر    فمطلــــة ظلــم ولا يؤخـــر

أو معســر قضاؤه إضرار    فيـنبغـي فـي شأنـه الإنظـار

أو معـدم وقـد أبان معــذره   فـواجب إنظاره لمسيـــــرة .

ومن ثمَّ فإن "الإكراه البدني" أو حبس المِدْيَان في الشريعة الإسلامية على ثلاثة أوجه:

أولها: حبس تلوم واختبار في من جهل حاله ويكون ذلك بقدر ما يستبرأ أمره و يكشف عن حاله.

 ثانيها: حبس من أدان واتُّهم انه خبَّأ مالا وغيَّبه فانه يحبس حتى يؤدي ما عليه أو يثبت عدمه فيحلف ويسرَّح.

 و ثالها: حبس من تقعَّد على أموال الناس وادعى العدُم وتبين كذبه فانه يحبس أبدا حتى يؤدي ما عليه أو يموت في السجن وهي عبارة ابن رشد، بل قال سُحنون:"يضرب بالدرة المرة بعد المرة ولا ينجيه من السجن والضرب إلا حمِيل غارم".[4]

ويستبين من هذا أن الشريعة لا تكره المعسر بحال بخلاف التقنين الوضعي الذي يجيز إكراه المعسر ثابت العسرة،  و لو خفضت عنه مدة الإكراه البدني بالنصف بدون أن تقل مطلقا عن 24 ساعة بالنسبة للمدين الذي يثبت عسره ومنها القانون الموريتاني في المادة 426 من ق:إ.م.ت.إ .

وبالنظر إلى خصوصية الإكراه البدني فان المشرع  قد أحاط به جملة من الضمانات الأساسية التي تؤمن تطبيق هذه المسطرة ذات الصبغة الخاصة  التي تعد وسيلة غير مباشرة للتنفيذ العيني الجبري تهدف لحمل المدين على التنفيذ والضغط عليه، ومن بين تلك الضمانات الأساسية:

أولا: صيرورة الحكم أو القرار المُدين نهائيا أي حائزا على قوة الشيء المقضي به  «force de la chose jugée»  حيث نص المشرع في المادة:421 من قانون الإجراءات المدنية على أن كل حكم أو قرار أصبح نهائيا يتضمن إدانة يجوز أن ينفذ بواسطة الإكراه البدني"، وعليه فانه لا يمكن حرمان شخص من حريته  إلا بناء على سند يأمر بتنفيذ مقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به صادر عن هيئة قضائية.

ثانيا:استنفاذ جميع الطرق العادية لتنفيذ الحكم المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية وفشلها طبقا للمادة423 من ق:إ.م.ت.إ .

ثالثا:تقديم الطلب إلى الدائرة القضائية المختصة لتصدر قرارا بالإكراه ويجب أن يؤسس هذا القرار أو الحكم على سوء نية أو إهمال المدين الظاهر،  ويجب أن يبين فيه أن قرار الإدانة نهائي و يشار فيه إلى عريضة الدائن الشفوية أو الكتابية ويحدد مدة الإكراه.

و مع أن المشرع الموريتاني لم يحدد مدة للإكراه البدني في القانون رقم:242\70 بتاريخ:25/07/1970 المتعلق بالإكراه البدني إلا أنه عدل عن ذلك في القانون 035\99 المعدل للمسطرة المدنية في حين اعتمد المعيار القيمي للدين محددا الحصة الدنيا للدين بمبلغ:50.000 أوقية\ يوم لكل حصة كاملة من 500 أوقية،المواد:428\429 وهو ما تم تعديله في الأمر القانوني رقم:035\2007 بتاريخ:10 ابريل 2007 المتضمن للمسطرة المدنية النافذ حاليا  الذي يحدد الحصة الدنيا بمبلغ: 100.000 أوقية\يوم لكل حصة كاملة من 2000 أوقية المادة:428\429 من ق:إ.م.ت.إ .

رابعا: إنذار المدين و الإعذار إليه بواسطة تبليغ القرار الصادر بالإكراه البدني  بتسديد ما عليه من دين في اجل ثمانية أيام .

خامسا:تأشير القرار من طرف النيابة العامة لتمنحه قابلية التنفيذ التي تحدد اليوم الذي سينفذ فيه القرار.

سادسا: إيداع التغذية مسبقا إن ألزم بها الدائن مدة الإكراه البدني  تلافيا لسقوط حقه. طبقا للمادة:436 من ق:إ.م.ت.إ ، و لئن أهمل الفقهاء الكلام عن تغذية المُكرَه أو المدين المسجون فإنهم  تكلموا عن أجرة الحَبَّاس \ السَّجَّان ، فقد نص ابن فرحون انه لم ير فيها نصا واستظهر كونها كأجرة أعوان القضاء تكون من بيت المال فان لم تكن فتكون على الطالب، وقد جعلها المشرع على كاهل الدائن المستفيد من مسطرة الإكراه المادة 436 من قانون الإجراءات.

ومما تقدم يمكننا أن نستخلص أن الإكراه البدني إجراء استثنائي، و وسيلة استثنائية للضغط على المكره، وليس عقوبة في حد ذاتها كما أنه آخر إجراء من إجراءات تحصيل الغرامات والديون تلجأ إليه الجهات المكلفة باستخلاص الأموال، بعد سلوك سائر المساطر الخاصة باستخلاص الديون و الغرامات سواء في الميدان الجنائي أو المدني، وقد أحيطت بضمانات مسطرية قوية عند إعمالها للحيلولة دون التعدي على حرية الفرد، وهو ما يؤدي إلى إلغاء أي إكراه بدني وقع فيه تعدي على المساطر القانونية  عند إعماله وهو ما توصلت إليه الغرفة الجزائية باستئنافية نواكشوط في قرارها رقم:221\2014 بتاريخ:28\10\2014 حين ألغت أمرا بالإكراه البدني لعدم احترام الآجال المحددة في المادة 665 من قانون الإجراءات الجنائية.

إن هذه الرقابة وتلك الضمانات لن تقنع المناهضين للإكراه البدني بجدوائية الإبقاء على هذه المسطرة الاستثنائية التي تلجؤ إليها الضرورة لصون الحقوق المالية للدائنين بل مدعاة للإصرار على إلغائها، لكنها كافية لإقناع المناصرين للإكراه البدني بضرورة إعماله ولإبقاء عليه، وبينهما رأي وسط نؤيده تمسكا بالضرورة وتشبثا بالكرامة يدعو إلى إلغاء الإكراه البدني في الميدان المدني، والإبقاء عليه في الميدان الجنائي مع تعزيز الإشراف القضائي على تنفيذه بواسطة قاضي تنفيذ العقوبات من اجل إعماله إعمالا سليما حتى لا تنتهك الحقوق والحريات.

 

 

[1] - ينص القانون رقم:035/99 بتاريخ:24 يوليو  1999  المتضمن قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية في المادة: 321 إذا امتنع المنفذ عليه من تنفيذ التزام بعمل أو خالف التزاما بالامتناع عن عمل فإن العون المنفذ يثبت ذلك في محضر ويوجه المستفيد من الحكم للمطالبة بأداء التعويضات أو الغرامات التهديدية ما عدا إذا سبق الحكم بهذه الغرامة. وللمحكمة أن تسلط عليه عقوبة الإكراه البدني إذا رأت أنه موسر.

 

[2] - اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ٢٢٠٠ ألف (د-٢١) المؤرخ في ١٦ ديسمبر١٩٦٦ تاريخ بدء النفاذ: ٢٣مارس ١٩٧٦، وفقا لأحكام المادة 49 منه ، وقد صادقت موريتانيا عليه بتاريخ ؛ 17/11/2004، مع التحفظ على المواد: 18  و الفقرة الرابعة من المادة 23، و قد دخل حيز التنفيذ بتاريخ ؛ 17 /02/ 2005.

 ونشير هنا إلى أن المادة: 27 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 تنص على أنه "لا يجوز لطرف في معاهدة أن يتمسك بقانونه الداخلي كسبب لعدم تنفيذ هذه المعاهدة"

[3] - كما هو حال قانون التنفيذ الأردني رقم: 36 لسنة 2002 وتعديلاته حيث نص صراحة في المادة: 22 على انه: "يجوز للدائن أن يطلب حبس مدينه إذا لم يسدد الدين أو يعرض تسوية تتناسب ومقدرته المالية خلال مدة الإخطار" على الرغم من نشر العهد الدولي للحقوق المدنية في الجريدة الرسمية يونيو 2006، وقانون التنفيذ الفلسطيني رقم:23/2005  ج؛ر 63، وقانون الإجراءات الكويتي رقم: 38 لسنة 1980 ، و قانون الإجراءات السوداني حيث نصت المادة 243 /1  على أنه" متى كان الحكم متعلقاً بدين أو يقضي بسداد مال فيجب القبض على المدين وحبسه حتى تمام الوفاء،و تنص المادة 244 /1 على أنه إذا حُبس المدين وفاءً لحكم تطبيقاً للمادة 243 فلا يطلق سراحه إلا إذا:- دفع المبلغ المحكوم به، أو
حصل الوفاء بالحكم الصادر ضده بأية طريقة أخرى قبلها المحكوم له، أو تنازل المحكوم له كتابة، أو أثبتت بينة كافية إعسار المدين.وتجيز الفقرة 244 /2 إعادة القبض على المدين بعد ثبوت إعساره بموجب الفقرة (د) وحبسه إذا ثبت للمحكمة أنه قد أصبح قادراً على الوفاء بالحكم.

[4] - العلامة محمد سالم ولد عدُّود؛ التسهيل التكميل.4\31.30 طبعة دار الرضوان.

 

 

د/هارون ولد عمار ولد إديقبي

رئيس الغرفة المدنية بمحكمة ولاية انواكشوط