التوبة .. و أثــــرها في العقوبات الجنائية

أربعاء, 2014-12-31 08:47
دهارون ولد عمار ولد إديقبي

      دون تعمق..

قد لا يكون من التجوز القول إن نظام التوبة في الشريعة الإسلامية  فريد لا يقابله في التشريع الوضعي إلا نظام رد الاعتبار على استحياء ، مع عدم اتحاد النظامين في المضمون والشكل، إذ لكل واحد منهما خصائص تميزه عن الآخر، و مردُّ  ذلك التجوز راجع بالدرجة الأولى إلى تباين فكرة أو "فلسلفة" العقاب في كلا التشريعين، وتباعد نظرة كليهما  للعقوبة .

 فالعقوبة في الشريعة هي: " الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع" ، فهي جزاء مادي مفروض سلفا يجعل المكلف يُحجم عن ارتكاب الجريمة فإذا ارتكبها زجر بالعقوبة حتى لا يعاود الجريمة مرة أخرى كما يكون عبرة لغيره؛ و المقصود من هذا الجزاء هو إصلاح حال البشر وحمايتهم من المفاسد واستنقاذهم من الجهالة وإرشادهم عن الضلالة وكفِّهم عن المعاصي وبعثهم على الطاعة"[1].

 من هنا نجد الفقهاء يفرقون بين العقوبة والعقاب فيقررون أن ما يوقع على الإنسان إذا كان في الدنيا  يقال له عقوبة، أما  ما يلحقه في الآخرة فهو عقاب،[2] وهذا هو مناط الاختلاف الحاصل بينهم في العقوبات هل هي زواجر أم جوابر؟، أي هل  تنفيذها في الدنيا يقي الجاني العذاب في الآخرة ، مما يعني أنها مكفرات للذنب لا زاجرات أم العكس؟، وحسما للنزاع رأى بعض الفقه أن العقوبات زواجر و جوابر معا.[3]

إن هذا يجعل  الجزاء في الشريعة مكونا من شقين أحدهما دنيوي بحْت والآخر أخروي صرف ، وهو ما يجعله متميزا عن الجزاء في الفكر الوضعي المنطلق من أن للعقوبة وظيفتين لا بد منهما : وظيفة خلقية، تتأسس على  فكرة التكفير عن الذنب المقترف ، ثم في مرحلة متأخرة من الفكر الجنائي الوضعي  وظيفة نفعية  وقائية ، تقوم على فكرة العدل و مصلحة المجتمع.

لهذا  فان الجزاء في الشريعة ينطلق؛ بل يجمع بين وظيفتي: الوقائية ، و النفعية للجزاء،  و ذلك منذ الوهلة الأولى لكونه  يقوم على ضرورة التوفيق  بين مقتضيات الإصلاح والزجر معا، أي إصلاح الجاني وحماية المجتمع، فقد توصل الفقه الإسلامي إلى تقرير الوظيفة الوقائية للعقوبة، فوضع لها قاعدة فقهية عامة، يلخصها  القَرافِي في الفرق التاسع والثلاثين من فروقه بقوله:" وهاتان [الزواجر و الجوابر] قاعدتان عظيمتان وتحريرهما: أن الزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة، و الجوابر مشروعة لاستدراك المصالح الفائتة"، فهذه القاعدة من ناحية تميز بين العقوبة والتعويض وهو أمر  لم يستقر في الفقه الوضعي إلا حديثا، ومن ناحية ثانية تفرق بين وظيفتهما فالتعويض وظيفته إصلاح ما فات أي الضرر اللاحق بالضحية و العقوبة وظيفتها درء الخطر المستقبل وليس التكفير عن الجريمة المرتكبة.

وعن الوظيفة النفعية للعقوبة يضيف القرافِي ناقلا عن إمام الحرمين قوله  المعبِّر: "إن القاعدة في التأديبات أنها تكون على قدر الجنايات، فكلما عظمت  الجناية عظمت العقوبة ..... فالإيلام مفسدة لا تشرع إلا لتحصيل مصلحة، فحيث لا مصلحة لا تشرع ".[4]

إن هاتين الوظيفتين المتضاربتين في الظاهر تؤلف بينهما الشريعة بجمعها بين الجزاء الدنيوي  والأخروي ، وبسعيها  إلى تقرير نوعين من العدل: عدل مطلق كامل عن طريق تقرير فكرة الجزاء يوم الحساب ، وعدل نسبي حين تقرر عقوبات قضائية دنيوية   تهدف إلى إلزام المخطئ بالتوبة والاستغفار،  والعدول عن الانحراف،  والاستقامة  في المستقبل، و هذا هدف تربوي وإصلاحي وليس مجرد عقاب ، وعندما  يتحقق غرض التوبة فان الحساب عما وقع قبلها يرجع إلى الله  يوم القيامة  كما يؤكد القرآن الكريم.

 وبهذا تكون التوبة في الشريعة الإسلامية وسيلة وضعها الشارع لتطهير المجرم من كل الذنوب في الآخرة،و وسيلة كذلك إلى إصلاحه وتهذيبه وإرجاعه إلى الجادة، فضلا عن أنها سبب مسقط  للعقوبة  و إن بخلاف كما سنرى.

و قد يعتقد البعض  أن  اعتماد الجزاء في الشريعة الإسلامية على فكرة التوبة يجعل  المغفرة متيسرة للإنسان الخاطئ  بلا نظام مهما فسق واقترف من الآثام، وبالتالي تكون وسيلة للتهرب من الجزاء، وهو اعتقاد يُفرغ هذا النظام من محتواه، فالتوبة أوسع  صور التصالح مع الشارع الحكيم، و مع الجماعة؛  لذا أو جبتها الشريعة على كل من زلَّت قدمه قال تعالى:  )وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون(وهو  ما يحيل إليه مدلولها  اللغوي الذي يعني في دلالته الرجوع والندم  عن المعصية، وهي نفس الدلالة  الفقهية  في مجمل  تعريفات الفقهاء التي تقول إن التوبة هي: " الندم على المعصية من حيث هي معصية مع العزم  على أن لا يعود إليها العبد إذا قَدَر عليها".

وإذا كان للجريمة كمناط للتأثيم ركنان  قانونيان لا تقوم إلا بهما فان للتوبة أيضا كمناط للإعفاء أو سبب للتخفيف من العقاب ركنين لا  تصح إلا بهما:   ركن  معنوي هو الندم والعزم على الكف عن مخالفة الشريعة  ، وعدم العودة  إلى السلوك  الإجرامي  مرة أخرى، ،و ركن مادي  هو الامتناع عن السلوك الإجرامي ،و إعادة الحقوق المغتصبة إلى أصحابها ، ولها  أدلة ومظاهر تدل على صدقها وجديتها ومن أهم تجلياتها  الاعتراف طواعية لدى السلطات المختصة دون ضغط  أو إكراه،  والعمل على إرشاد ها إلى الشركاء في الجريمة، والتعبير عن الندم، وغير ذلك  من الدلائل  التي يمكن للقاضي بإعمال القريحة أن يتأكد ويتحقق من صدقها  ليقرر بواسطة قرار سقوط الحد في بعض الحالات عن الجاني وإعادة ماله إليه كما ورد في الفقرة الأخيرة من المادة:[306ق؛ع].

 وحسب هذه المادة الآنفة  التي تُمَسْطِرُ التوبة في مجال انتهاك حرمات الله أي في نطاق التعازير مطلقا وفي الردة على الأقل، فإن الفاعل  يُستتاب قبل تنفيذ الحكم الصادر عليه فان تاب  رُفعت قضيته بواسطة النيابة العامة  إلى المحكمة العليا، التي تتحقق من صدق التوبة و تقرر بواسطة قرار سقوط الحد عنه وإعادة ماله إليه.

إن هذه المظاهر وغيرها متى ما وجدت فإنها تنتج آثارا معينة .... منها إسقاط العقوبة أو تخفيفها أو عدم إيقاعها كما في الزندقة حيث تنص المادة:[ 306 ق؛ع]  على أن:"كل شخص يظهر الإسلام ويسر الكفر يعتبر زنديقا يعاقب بالقتل متى عثر عليه بدون استتابة،  و لا تقبل توبته إلا إذا أعلنها قبل الاطلاع على زندقته"، وان حسمت هذه الفقرة أمر التوبة وأثرها في إسقاط العقوبة الحدية هنا، إلا انه فقها من المعروف أن الزنديق مرتد فقد قال الفقهاء" النووي": إن المخالف للدين  الحق إما : أن لا يعترف به و لا يذعن له لا ظاهرا ولا باطنا فهو الكافر، و إما إن يعترف بلسانه وقلبه منعقد على الكفر فهو المنافق ، وإما أن يعترف به ظاهرا وباطنا لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما يفسره الصحابة والتابعون وأجمعت الأمة عليه فهو الزنديق، وقد اتفق جمهور المتأخرون من الحنفية والشافعية  على قتل الزنديق حدَّا وردة[5]،  وبالتالي  تبقى استتابته من عدمها محل  جدل وخلاف  كما تباينت آراؤهم في مدة الاستتابة في الردة  بين قائل باستتابة المرتد ثلاثة أيام أو شهرا كما نقل ابن بطَّال عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، أو أنه يستتاب أبدا  كما قال الإمام النَّخْعِي[6] كما تبقى الآثار التي لهذه التوبة محل نظر بينهم.

ومهما يكن من أمر فإن تلك الآثار يمكن رصد ها  من خلال تجليها على ثلاثية التجريم والعقاب في الشريعة الإسلامية: [الحدود ،القصاص، التعازير].

 فقد اختلفت أنظار الفقهاء في غير الحرابة  من الجرائم الحدِّية بين  قائل بأن تلك العقوبات تسقط بالتوبة وبهذا القول  يأخذ الحنابلة وخصوصا ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وبعض الشافعية.

ويؤيد رأي هؤلاء أن العقوبة الحدية قصد بها التطهير من المعصية، وان التوبة تطهر منها  فمن تاب من هذه الجرائم سقطت عقوبته  إلا إذا اختار الجاني  أن يُعاقب رغبة منه في التطهير؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه"[7]. و لقوله:" التائب من الذنب كمن لا ذنب له"[8] وهو ما جعل الإمام الشعراني(ق 10هـ) يقول "سمعت شيخ الإسلام زكريا رحمه الله يقول لم يرد لنا أن أحدا يؤاخذ  بذنبه في الدنيا والآخرة معا إلا المحاربين لقوله تعالى فيهم:(ذلك لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم([9].

أما الرأي الثاني،[10] القائل بأن التوبة لا تسقط العقوبة الحدية  و هو قول جمهور الفقهاء ومذهب الحنفية والمالكية والظاهرية ، وثاني قولي الشافعي وهو المعتمد عند أصحابه وهو الذي يتبناه المشرع الموريتاني خصوصا في حد الشرب [ المادة: 341 ق؛ع][11].

فقد استدل أصحابه بعموم سياق الآيات الوردة في الحدود والتي تشمل التائب وغير التائب كقوله تعالى( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة(، وقوله:( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا(، ولان الحد كفارة لم تسقط بالتوبة ككفارة اليمين والقتل، ولأن المحدود مقدور عليه فلم يسقط عنه الحد بالتوبة كالمحارب بعد المقدرة عليه.[12]

وان كنا لا نملك حق الترجيح الفقهي فان ما لا يمكننا جحوده هو أن الرأي الذي ذهب إليه  بعض الفقه من أن  التوبة تطهر من المعصية وتسقط العقوبة  الحدية وغيرها أحرى، يبقى وجهة نظر مبنية على مجموعة من الدلالات السائغة التي ساقها أصحابها تأييدا لرأيهم الذي يخرج التشريعات التي تتبنى الشريعة الإسلامية من إحراج مفرط باد لكل ذي بصيرة.

وفي جرائم القصاص فإن توبة الجاني لا تمنع توقيع القصاص عليه إلا إذا عفا عنه المجني عليه أو ولي الدم في حالة القتل؛ لأن القصاص في جريمة القتل حق للعبد ، و هو القول السائر في الميدان الجنائي الإسلامي، إلا أن بعض الباحثين اليوم  يرى أن هذا الرأي ليس على إطلاقه بل يرى أن توبة الجاني وان كانت لا تسقط  الدية فإنها قد تسقط  القتل قصاصا في جريمة القتل في هذه الحالة إذا رأى  الإمام مسوغا مقبولا لذلك[13].

 وفي التعازير فقد اختلف  الفقه في هذا الأمر بين قائل بعدم إسقاط التوبة للعقوبات التعزيرية و قائل بإسقاط  العقوبة بها، وهو الرأي الذي يتبناه المشرع الموريتاني في المادة[306ق؛ع الفقرة الثانية]،  ولنا أن نؤيد وجاهة ومسلك الرأي القائل بأن  التعازير عندما تكون عقوبة جنائية فإنها تسقط بالتوبة ،  وهو الرأي السائد لدى كثير من الباحثين يؤيده ما قاله الإمام القرافي من أن" الفرق بين الحد و التعزير أن التعازير تسقط بالتوبة، و الحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم "[14] .

و من كلما تقدم نخلص إلى  أن التوبة لها أثر جليل بيِّن  سواء في الحدود أو القصاص أو التعازير فتسقط العقوبات البدنية وغيرها من باب أولى بشرط توافر أركانها وشروطها والتأكيد على مصداقيتها ولها ولإعمالها الدور الكبير في تقليص العود الجنائي وتعزيز نافذية الحكم الجنائي و جدوائيته كما أنها تسهم في إعادة تأهيل الجناة نفسيا ومعنويا بتطهيرهم روحيا من أدران الخطيئة والارتقاء بهم إلى مصاف المتصالحين مع  ذواتهم المتسامحين مع المجتمع وهو ما يساعد في عملية الاندماج التي تعتبر العقبة الكبيرة الكأداء التي تقف أمام جل الأنظمة الجنائية الحديثة  اليوم  التي تكرس مبادئ الإنسانية الكبرى في إعادة تأهيل وإصلاح  الجانحين.

 ولئن كان القول بإسقاط العقوبة بالتوبة  في مجال الحدود هو قول بعض الفقه يخالف رأي جمهور الفقهاء  إلا أن وجاهته تزداد عند ما تكون مخرجة من حرج و  إثم تعطيل الحدود  الذي تسير فيه كثير من الدول التي تتبنى الشرعة الإسلامية مرجعا وأساسا لقوانينها  الجنائية ولكنها تعزف  عند التطبيق عن تنفيذ بعض الأحكام المشتملة على عقوبات الحدود والقصاص.

 ففي هذه الأقوال  الفقهية مندوحة لها خصوصا أن القانون الجنائي الموريتاني يحيل إلى الشريعة الإسلامية بصفة عامة [المادة:449]، وهو مسلك نفهم منه أن المشرع يريد التخلص من التقيد بمذهب معين في الميدان الجنائي باستيفاء أراء الفقهاء  الآخرين، وما القائلون بأن التوبة تسقط العقوبات مطلقا  إلا جِلَّة من علماء هذه الأمة.

 

[1] - الماوردي ، الأحكام السلطانية، ط: مطبعة المحمودية ،ص:213.

[2] - ابن عابدين ، رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار،ط1326،ص:2/288.

[3] - الدكتور احمد فتحي بهنسي، العقوبة في الفقه الإسلامي،ط:دار الشروق الخامسة 1983.ص:16.

[4] - الفقيه احمد الخمليشي، منهج الفكر القانوني في الفقه الإسلامي،درس حسني القي 19/6/1984، المجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد، العدد،32.ص:35/36.

[5] - سيد سابق ؛فقه السنة.2/294.

[6] - سيد سابق ؛فقه السنة.2/295.

[7] - أخرجه أبو داود في السنن.

[8] - أخرجه ابن ماجه في السنن

[9] - الإمام الشعراني، الميزان،د،ت، الجزء الثاني،ص:170.

[10] - ويتبنى المشرع الموريتاني هذا المذهب حيث ينص: في المادة 341-ق،ج، على انه:" لا يسقط حد الشرب بالتوبة ولا بالتقادم.".

[11] - الفقيه محمد  ابن رشد الحفيد ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد،ط: الجمالية1329.ص:والإمام الشعراني، الميزان ،م،س.2/169.

[12] - أبو الوليد الباجي ، المنتقى شرح الموطأ،ط:1332هـ، الجز7،ص:168.

[13] - المستشار الدكتور شكري الدقاق، اثر التوبة في الجزاءات الجنائية، بحث ضمن الموسوعة العصرية في الفقه الجنائي الإسلامي ، الجزء الرابع ، المجلد الأول، م،س. ص:679.

[14] - الإمام القرافي ، الفروق، الجزء الرابع،ص:181. و انظر:الدكتور احمد فتحي بهنسي، نظريات في الفقه الجنائي الإسلامي، دراسة فقهية مقارنة.م،س.ص:65.

 

                                                                       د/هارون ولد عمار ولد إديقبي

                                                                رئيس الغرفة المدنية بمحكمة ولاية انواكشوط