د. سعيد الشهابي "السفير" احتواء الارهاب يتطلب انهاء الاستبداد والاحتلال

في الحرب الشرسة الدائرة حاليا بين اطراف عديدة في المنطقة لا يمكن تجاوز حقيقة مهمة مفادها ان الغربيين ليس لديهم سياسة واضحة تجاه الشرق الاوسط، وان مواقفهم انما تمثل ردود فعل للتطورات الميدانية التي تسير باتجاهات شتى. فقبل شهر واحد مثلا سعى الغربيون لمنع حركة «انصار الله» في اليمن من استهداف الحكومة في صنعاء، وهددوا بوضع الحوثيين على لائحة الارهاب، ولكن سرعان ما قبلوا بالامر الواقع الذي تبلور بعد ان فقدت الحكومة السيطرة على العاصمة.

ولا يمكن استيعاب ما يجري اليوم من استهداف لحركة «داعش» الا كجانب من السياسة الغربية المضطربة التي تفتقد الرؤية ولا تستند لمشروع واضح. بل ان الغربيين انفسهم غير متفقين على ذلك في ما بينهم. فبينما تستهدف القوات الامريكية مواقع تلك الحركة في كل من العراق وسوريا على حد السواء، انضمت لها القوات البريطانية لتستهدف مواقع «داعش» وقواتها في العراق فحسب، وليس في سوريا.

فماذا يعني ذلك؟ وهل يتوقع ان يسفر هذا التدخل العسكري عن وضع اكثر امنا واستقرارا للمنطقة؟ وهل ستتلاشى التهديدات الارهابية ضد الغرب؟ وقبل اثني عشر عاما أطلق هؤلاء الغربيون ما اسموه «الحرب ضد الارهاب»، فهل تضاءلت مساحة هذا الارهاب ام توسعت رقعته لتشمل مناطق واسعة من افريقيا بالاضافة للعراق وسوريا وافغانستان وباكستان؟ ألا يكشف ذلك غيابا كاملا لسياسة غربية واضحة ازاء قضايا الشرق الاوسط؟ وتساؤل اخير يضاف لما سبق:

هل لدى الغرب سياسة لاستئصال الارهاب حقا باساليب اخرى غير الوسائل العسكرية؟ بمعنى آخر هل استطاع الغربيون استيعاب اسباب الظاهرة التي تنامت في العقود الاخيرة؟ ام ان حصر التصدي له بالعمل العسكري المباشر سيقضي عليه؟ قبل الاجابة على بعض تلك التساؤلات من الضرورة بمكان طرح بعض الحقائق: اولها: ان الغربيين يفتقدون وضوح الرؤية ازاء منطقة الشرق الاوسط، وانهم ليسوا على تواصل مع الرأي العام العربي والاسلامي بالشكل الذي يوضح لهم دوافع بعض مجموعاته للتوجه نحو الارهاب. ثانيها: ان الغربيين اصبحوا اسرى للمال النفطي بشكل كبير، وان سياساتهم اصبحت محكومة بالاعتبارات الاقتصادية قصيرة المدى، وبعيدة عن التخطيط الاستراتيجي. ثاثها: ان الغربيين ليسوا صادقين مع ما يروجونه من مبادىء وقيم، وان الاعتبارات المصلحية الآنية تفوق كل شيء آخر.

رابعها: ان الاساليب التي انتهجوها خلال العشرين عاما الاخيرة لمواجهة تنامي ظواهر العنف والتطرف لم تكن شاملة في فهم الواقع او التعاطي معه بهدف تغييره جذريا لمنع تكرر تلك الظواهر. خامسها: ان الغربيين اصبحوا، نتيجة ذلك التخبط مشغولين بقضايا تكتنفهم في مناطق عديدة. فما يحدث في اوكرانيا ادى لتوتر العلاقات مع روسيا لغير صالح الغرب الذي يعتمد كثيرا على امدادات الغاز الروسي مثلا. سادسها: ان الغرب اصبح متهما لدى قطاعات واسعة من المسلمين وغيرهم بـ «ازدواج المعايير» و «غياب المبادىء» و «الانتهازية». وبالتالي تبدلت نظرة الاجيال العربية والمسلمة الحالية تجاه الغرب من كونه مصدر الهام مهم للديمقراطية وحقوق الانسان، الى كتلة سياسية ميكافيلية تفتقد المعايير والقيم الانسانية وتحصر مصالحها بالاعتبارات المادية والاقتصادية. كان الاحرى بالغرب ان يتوقف في العام 1979 عند الثورة الاسلامية الايرانية ويستوعب دروسا تفيده في التعاطي مع ظواهر الاحتجاج والثورة لدى قطاعات واسعة في العالم الاسلامي.

ولكنه لم يفعل ذلك، بل تعاطى مع ثورة إيران، وكأنها حدث واحد منفصل لن يتكرر مستقبلا. تجاهل هذا الغرب ان للشعوب العربية والاسلامية اسبابا للغضب والتوتر لان العالم الغربي رفض التعاطي معها كشعوب تتطلع للحرية والكرامة وتسعى للتمتع بحياة حرة كريمة خالية من الاستبداد والقمع والتهميش والاقصاء. ما المطلوب الآن والحرب يشتعل اوارها في المنطقة لتحصد الارواح وتسلب الشعوب امنها وسلامة ابنائها؟ القضية الاساس ان يستوعب الغربيون ان لدى الشعوب الاسلامية في الوقت الحاضر ثلاث قضايا جوهرية مترابطة، لا يمكن الفصل في ما بينها او تجاهل احداها. واذا كان الغربيون جادين في استهداف الارهاب واقتلاع جذوره، والتمتع بعلاقات طيبة مع الشعوب العربية والمسلمة، فعليهم التعاطي مع هذه القضايا الثلاث بجدية وواقعية واستعداد لتغيير السياسات وفق ما تقتضيه الحاجة لخلق عالم آمن.

فبالاضافة لاستهداف الارهاب والقضاء عليه هناك مشكلتان تغذيان الارهاب وتمنعان الاستقرار: الاستبداد والاحتلال. فحين انطلقت الشعوب العربية لانهاء عقود الاستبداد تضافرت قوى الشر للانقضاض عليها ومنعها من اقامة انظمة ديمقراطية تحترم الانسان وتمنحه شراكة حقيقية في صنع القرار. اما الاحتلال فقد كان دائما من اهم اسباب شعور الامة بالظلامة والغبن التاريخي. وطوال العقود الستة الماضية عاشت شعوب المنطقة هاجس التحرير وعملت من اجله وخاضت حروبا عديدة لطرد الاحتلال. وما لم ينته الاحتلال فسيظل عنوانا لتلك الظلامة ودافعا للاجيال المتعاقبة من العرب والمسلمين للعمل على محورين:

استعادة حقوق الشعوب في الممارسة الديمقراطية التي تمنحها القدرة على اتخاذ القرار وصياغة السياسات، والتعبئة المستمرة ضد الاحتلال. وقد اثبتت حرب غزة الاخيرة ان الامة مستعدة للتلاحم والتوحد ضد الاحتلال الاسرائيلي، وانها قادرة على تجاوز كافة الاختلافات الدينية والمذهبية للتصدي للمحتل. فالمسلم يعاضد المسيحي في النضال من اجل التحرير، والسني يردف الشيعي على طريق انهاء الاحتلال. لقد خرجت المسيرات التضامنية مع شعب غزة في اغلب الدول الاسلامية، ولكن لم يسمح لاية مسيرة في البلدان المحكومة بالاستبداد لعلمها بترابط قضية تحرير فلسطين بتحرير البلدان من الديكتاتورية. الغربيون لم ينصفوا العالمين العربي والاسلامي في القضيتين المذكورتين اللتين يمكن بشكل منطقي وواقعي جدا ربط ظاهرة التطرف والارهاب بهما. وفي الاساس تنامت ظاهرة الارهاب (التي تربط بالاسلام) بعد حرب الكويت في 1991، كرد فعل للتدخل العسكري الغربي لضرب العراق. وهنا تصاعدت الاصوات المستنكرة لتلك السياسة الغربية التي ترفض اتخاذ اي اجراء ضد اي من حلفائها، سواء الحكام الرافضين للاصلاح السياسي والمعتمدين على الدعم الغربي لوجودهم، امنيا وسياسيا وعسكريا، ام قوات الاحتلال المحمية من الغرب.

وبشكل تدريجي تصاعدت ظاهرة الارهاب الذي تصدره تنظيم « القاعدة» موجها ضد الغرب خصوصا الولايات المتحدة الامريكية، باعتبارها حامية قوات الاحتلال الاسرائيلي وزعيمة مشروع احتلال جديد في المنطقة. غير ان الحساسية ازاء الاحتلال لم تتبلور لدى «الاسلاميين الجدد» عندما اجتاحت القوات السعوديةاراضي البحرين وتمركزت فيها لقمع ثورة شعبها في منتصف 2011، الامر الذي يثير التساؤلات عن مدى مصداقية الشعارات المعادية للاحتلال. ثم تدخلت قوى اقليمية لتعيد توجيه بوصلة هذا الارهاب نحو داخل الجسد الاسلامي، فتحول الى حرب طائفية محمومة لم يحدث لها نظير من قبل. وثمة حقيقة غابت عن اذهان مروجي المشروع الطائفي الدموي مفادها ان الارهاب ليس له دين او مذهب او عرق، بل هو منحى شيطاني معاد للانسانية ومضاد للحياة، ومرتبط بالدمار والفناء، وبالتالي لا يؤمن شره.

فقد يستخدم اليوم ضد الخصم الديني وغدا ضد الخصم المذهبي، ولكن سرعان ما يستخدم ضد داعميه ومموليه حين تتباين المصالح. ومن اجل شرق اوسط اكثر امنا واستقرارا واقل احتضانا للعنف والارهاب، يتطلب الامر سياسات غربية واضحة تتبنى اصلاح هذه المنطقة على مسارين: تحريرها من الاستبداد السلطوي والاحتلال الاجنبي. لقد ارتكب الغربيون خطأ كبيرا عندما سمحوا بقمع ثورات الربيع العربي ولم يحركوا ساكنا. وكانت النتيجة تصاعد الارهاب الذي عاد مجددا ليستهدف الغرب. هذا الموقف الغربي الذي يمكن اعتباره «سلبيا» بل «متواطئا» يضاف الى الخطأ التاريخي الذي ارتكبه الغربيون عندما اقروا الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين ودعموه طوال ما يقرب من سبعة عقود، وما يزالون يهندسون سياساتهم تجاه المنطقة بلحاظ دعم هذا الاحتلال.  اما الحرب على داعش فلن تكون سوى شاهد آخر على قصور السياسة الغربية وعجزها عن استيعاب ما يواجه العالمين الاسلامي والغربي من تحديات ناجمة عن الظواهر الثلاث الخطيرة ذات الصلة ببعضها: الارهاب والاستبداد والاحتلال. فظاهرة الارهاب ستبقى طالما اقتصر العلاج على ظواهرها فحسب.