عبد الوهاب بدرخان "الحياة" كيف تحارب أميركا الإرهاب وهي تراهن على «المشروع الإيراني»؟

altلم يقل أحد إن الحرب بدأت، لكن هناك من يقول يومياً إنها ستطول، وقد تدوم سنة أو سنتين أو أكثر، وهناك من وصفها بـ «حرب دائمة» كانت مشتعلة بأساليب أخرى ولم يكن فيها «إرهاب» كما يسمّى الآن. وإذا كانت الضربات الجوية تؤشر إلى بداية، فإن الإشارة إلى النهاية ستبقى في علم الغيب. والسؤال ليس متى، بل هل تنتهي. ليس كيف، بل مَن ينهيها ومن أجل ماذا، وهل يريد فعلاً أن ينهيها، أي أنها لا تزال حرباً بلا استراتيجية، لأن مؤدّاها السياسي مجهول.

 نعم، هناك مهمة عاجلة هي القضاء على التنظيمات الإرهابية، و «داعش» أكثرها شهرةً وانتشاراً، لكن المؤكد أن إطالة الحرب سيجعلها آلة لتفريخ أنماط جديدة من التطرف قد يبدو «داعش» معها أقرب إلى «القوة الناعمة»!

هذه حربٌ تنغمس فيها المنطقة بكاملها، وبكل تناقضاتها والخلافات بين دولها وطوائفها، أي أنها «تتدعّش» أيضاً، وسيزداد «اندعاشها» متى بدا للبعض أن الصراع لن يحافظ على مكاسب له أو يظنها له، ولن تعيد للبعض الآخر مكاسب له ولم يحسن الحفاظ عليها. وبين «الحلفاء» و «الأصدقاء» وأشباههم، العلنيين أو السرّيين، سيكون على الولايات المتحدة أن تعكف على عملية شائكة ومعقّدة لإنتاج توازنات جديدة. لكن ما يحصل عادةً أنها تختزل الصعوبات وتذويب التناقضات في إطار «مصالحها»، من قبيل أن ما هو مصلحة لأميركا هو مصلحة لحلفائها وأصدقائها، لكن السوابق تشي بأنه ليس كذلك، فالمثال الإسرائيلي دليل دائم على وجود هوّة غير قابلة للتجسير أو الردم بين أميركا وعموم الشرق الأوسط. الهوّة أو الهُوى التالية ستكون في وضع الشرق الأوسط العربي تحت هيمنة إيران (وتركيا، بدرجة أقلّ)، في إطار الدويلات المذهبية والعرقية التي ستولد تحت غبار الحرب.

وسط استسهال سفك الدماء، وسط الصخب والذهول والصدمات، أمكن «داعش» وإسرائيل وإيران أن تتبادل الخدمات والأدوار في ما يشبه تفاهماً موضوعياً في ما بينها، إذ انشغل العالم باندفاع التنظيم للسيطرة على مساحات واسعة في العراق وإلغائه الحدود لربطها برقعة سيطرته في سورية. وتحت غطاء هذه الأزمة، إذا بحدث يبدأ في الضفة الغربية بخطف ثلاثة مستوطنين يتطوّر سريعاً إلى حرب ثالثة على غزة حرصت إسرائيل على تحميلها كل مواصفات الإبادة البشرية والعمرانية، مستندةً إلى أن وحشية «داعش» افتتحت في المنطقة نمطاً يمكن مجاراته أو التصعيد فوقه. وانتهت تلك الحرب بهتافات «النصر» التي كسبتها المقاومة في غزّة من ثقافة «الممانعة» الإيرانية. وفيما كانت التظاهرات تعمّ العالم مستنكرة ومستهولة جرائم يرتكبها جيش دولة إسرائيل، وجد «داعش» اللحظة مناسبة لجرائم مماثلة وأكثر هولاً بمغزاها الاجتماعي والتاريخي، إذ اقتلع المسيحيين والإيزيديين الذين استطاعوا البقاء في مواطنهم العراقية مروراً بكل المحن والعصور من المغول إلى البعث الصدّامي. قبل ذلك كان الحكم الإيراني في العراق (ممثّلاً بنوري المالكي) أهمل حماية المسيحيين، لم يبالِ بالقوافل المتلاحقة للراحلين منهم، ثم تُرِك «داعش» يحسم مصيرهم.

كذلك في مناخ الأزمة هذه، وتحت غطائها، ووسط جدل مستمر عن دخول إيران «التحالف ضد الإرهاب» أو عدمه، أوعزت طهران لجماعة «أنصار الله» الحوثية في اليمن كي تنفّذ الخطة التي بدأ إنضاجها منذ أواخر 2013، أولاً بخروج الحوثيين من صعدة إلى محافظة عمران لاحتلالها وشراء ولاء قبائلها، ثم للزحف على صنعاء. وفيما كان العالم منشغلاً بإنهاء حرب غزّة واحتواء مآسي الأقليات العراقية كان الحوثيون يستغلون تشتت الجيش اليمني بين الجنوب لمحاربة «القاعدة» ومحافظة الجوف التي فتحوا جبهة لاجتذابه، وأكملوا تطويق العاصمة واختراقها زنقةً زنقةً وثكنةً ثكنةً إلى أن اختطفوها في أيام معدودة، محتفظين بالرئيس رهينةً، أي في حال أسوأ مما كان عليه الرئيس اللبناني السابق إميل لحود في الأعوام الممددة من رئاسته وهو كان أيضاً قائداً أعلى لقوات مسلحة اخترقها «حزب الله»، برضا وترحيبٍ منه، تماماً كما اكتشف عبد ربه منصور هادي اختراق «أنصار الله» للجيش والأمن، ولم يكن مرتاحاً إلى ذلك لكنه حاول التذاكي عليه فوقع في فخّه. ولا مبالغة في التذكير بأن الفترة نفسها شهدت أيضاً توريط «حزب الله» للجيش اللبناني في مواجهة مع «جبهة النصرة» و «داعش» اللذين هاجم مسلحون منهما بلدة عرسال الحدودية وخطفوا عشرات العسكريين مطالبين بإطلاق معتقلين لهما في لبنان، ويمنع «الحزب» وحلفاؤه أن تنظر الحكومة في خيار تبادل الأسرى مفضّلاً القيام حملة عسكرية في جبال القلمون ضد التنظيمين، ويخوضها الجيش اللبناني مع قوات النظام السوري و «حزب الله» فلا يعود الأخير متورّطاً وحده في سورية. ولا يزال هذا «الحزب» وحلفاؤه يعطّلون انتخاب رئيس جديد للجمهورية، إلا إذا رضيت القوى السياسية الأخرى برئيس يتعهّد الرضوخ للهيمنة الإيرانية والتعاون الوثيق مع بشار الأسد.

على الأقل، لا تدّعي إسرائيل (أو «داعش») أنها «ركيزة الاستقرار» في المنطقة، كما يصف الرئيس الإيراني بلاده. فمع محمود أحمدي نجاد كانت نيات إيران جليّة، أما حسن روحاني فلم تعد صفته «الإصلاحية» لتحجب سياسات التخريب والفتن لفرض الهيمنة، حتى أنه ذهب بعيداً في الديماغوجية حين أشاد أخيراً بـ «انتصارات» في العراق وسورية وغزة واليمن وأفغانستان. ليس خافياً ذلك المنحى التخريبي في اليمن، والمؤكد أنه لم يبلغ منتهاه بعد، بل على العكس قد يكون أسس لتوّه حالاً طائفية لم يعهدها اليمنيون في كل صراعاتهم. كما أن الأرض خصبة وجاهزة لبلورة «حال داعشية»، طالما أن تنظيم «القاعدة» موجود ومتجذّر. فكما أن أزمة سورية زيّنت للنظام وللإيرانيين تغذية الوحش الإرهابي لإغراق ثورة الشعب وإفساد مناطقها، كذلك اهتم الايرانيون بإبقاء خطوط التسلّح مفتوحة أمام «تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية»، خصوصاً أنه بقي مرتبطاً بالتنظيم الأم الذي تتحكّم طهران بمعظم خيوطه.

ويقدّر بعض الخبراء أن قنوات تسليح «القاعدة» في اليمن موازية وربما مختلطة بتلك التي تزوّد الحوثيين و «الحراك الجنوبي». وليس صدفة أن «الاتفاق» الذي حاكه الحوثيون في مخادعتهم المبعوث الأممي، فرض تعيين مستشارين (حوثي وجنوبي) كإجراء أول، فهذا الثنائي «الاستشاري» له مرجع واحد هو طهران. وبما أن الحوثي والجنوبي أصبحا الآن بمثابة حاكمين لليمن، وعلى رغم شعار «الموت لأميركا» الذي يرفعانه، فقد تكون لحظة الافتراق عن «القاعدة» حانت، إذ تخاطب طهران بالوكالة عنهما قلق الأميركيين عارضة المساعدة في محاربة «القاعدة». يذكر هنا أن كل الحملات التي شنّها الحكم اليمني لاقتلاع «القاعدة» - ويمكن مراجعة ذلك - توقفت قسراً في منتصف الطريق لأن الحوثيين استغلّوها للتحرّك عسكرياً في المناطق التي خططوا لغزوها. وكمثال واحد فقط يُشار إلى أن الحملة الأخيرة في أيار (مايو) الماضي كانت في أوجها، لكن اشتباكات الجوف أوقفتها.

كلما سئل الأميركيون كانوا يجيبون أنهم لا يملكون «أدلّة ملموسة» على تورّط إيران في اليمن من خلال الحوثيين و «الحراك الجنوبي»، ولو سئلوا اليوم فلربما يقولون إنهم لا يعتبرون «مشروع الهيمنة الإيراني» من الأسباب الرئيسية التي ستجعل «الحرب على داعش» صعبة وطويلة. فكيف يعتزمون محاربة الإرهاب إذا كانوا يراهنون ضمناً على إيران ومشروعها، وكيف يدّعون أن اجتذاب السنّة العرب من شروط نجاح هذه الحرب مع علمهم أن هؤلاء السنّة يعتبرون على نطاق واسع أن «المشروع الإيراني» اجتذب الإرهاب إلى سورية والعراق. في السابق، لم يعترف الأميركيون بأن الظلم الإسرائيلي (بمشاركة أميركية) للشعب الفلسطيني من أهمّ أسباب القهر المولّد الإرهاب، ولم يعترفوا أيضاً بأن غزو العراق واحتلاله وتسليمه إلى إيران أشعلت جذوة الإرهاب التي حاولوا إطفاءها في أفغانستان. ومع أن باراك أوباما أقرّ أخيراً بإساءة تقدير خطورة «داعش»، إلا أنه لم يقل إنه «أخطأ» شخصياً عندما أهمل قضية الشعب السوري، تماماً كما أخطأ جورج دبليو بوش عندما تجاهل حقائق العراق شعباً ومجتمعاً.