نمط العيش والخيار الاقتصادي الجديدين وسؤال الاستدامة بالواحات المغربية / محمد ولد نبو

altaltالواحات المغربية هي الاخرى لم تستثن من تطورات وتحولات مهمة اجتماعية واقتصادية وثقافية وبيئية ومعمارية، مع بعض التفاوتات بين واحة وأخرى كباقي المجالات المغربية الاخرى السهلية او الصحراوية او تلك الواقعة على مشارف المحيط الاطلسي او البحر الابيض المتوسط ،

هذه التحولات التي مست جوانب اساسية من معالم هوية المجال الواحي تنذر اليوم بمزيد من التحول الذي من شانه ان يهدد هذه المجال القرب صحراوي – العتبات الشمالية للمجال الصحراوي والحزم الرطب الفاصل بين مجالين مغربيين أحدهما اشد جفاف وأخر جاف الى شبه جاف_ في وجوده، على اعتبار ان ميكانزمات هذا التحول صارت تضرب في عمق العمود الفقري لهذا المجال الهش، علما ان الواحة هي منظومة مترابطة العناصر وأي مس بعنصر سيكون له لا محالة تأثير إما سلبي او ايجابي على بقية العناصر الاخرى .

         ما من شك ان الواحات المغربية مثلت عبر التاريخ نقط استقطاب للسكان، وبذلك انطلقت منها حضارات، وهذا مرتبط بكونها النقط الجغرافية الاقل قساوة والأكثر توفير لظروف استقرار البشر ومزاولة انشطته البدائية انذاك، وخاصة تلك المرتبطة بالأرض في مجال جاف شاسع وممتد يمثل في غالبيته مراعي طبيعية مفتوحة، حيث كسب الانسان في هذه المجالات  مهارات التكيف مع خاصية نذرة الموارد المائية التي تعد ميزتها الاساس، وتراقص في حجم التساقطات بين سنوات رطبة وأخرى اشد قحطا، كما تملك مجاله وأبدع في أليات التأقلم، وكان سباقا في الامتثال لأبعاد التنمية المستدامة ممارسة لا تنظيرا، بحيث راكم في هذا الاتجاه عدد من العادات والتقاليد والمهارات والخبرات تناقلها الاجيال لعقود من الزمن والتي تقتضي التثمين للنهوض بهذه المجالات، إلا ان هذه المجالات الواحية اليوم تعيش وضعا يهدد وجودها بالاندثار والاختفاء، جراء التطورات التي شهدتها، اذ الانفتاح على عالمها الخارجي واجتياح ظاهرة العصرنة لها افرز سلوكات لا تتناغم وطبيعة حساسية وهشاشة الوسط الواحي وسأفرد هذا المقال للحديث واستبيان امرين اساسيين : الاوليتعلق بالتطورات التي لحقت نمط العيش بهذه الاوسط والثاني يهم الخيارات الاقتصادية التي باتت تنحو في اتجاهها الواحات وأثرهما المحتمل على استدامة حياة المجال .

1.   تحولات في نمط العيش غير رحيمة بطيعة الوسط:

         شهدت المجالات الواحية تحولات اساسية على المستوى الاجتماعي، بحيث بالإضافة الى التزايد السكاني الذي اثر على الحمولة الطبيعية للواحات بالنظر لما وازا ذلك من ازديادا في توفير الحاجيات اليومية او الدورية من قبل الوسط والذي يلعب فيها عنصر الماء الدور الكبير، هذا التحول على المستوى الديمغرافي هو نتاج استقطاب لعدد من رواد المجال المجاور- المراعي الطبيعة – من مربي الماشية بفعل التخلي عن هذه الحرفة جراء احتداد شدة الجفاف وما نجم عن ذلك من ارتفاع في تكلفة تربية الماشية بشكل اساس ،اي الدافع طبيعي بالدرجة الاولى، او الاتجاه للاستقرار جراء حافز ثقافي اجتماعي كالتأثر الثقافي بالمجالات المجاورة من قبيل الرغبة في تدريس الاطفال او الالتحاق بمهن عمومية تقتضي التخلي عن هذه الحرفة والاستقرار النهائي،او التخلي كتعبير عن الارتقاء الاجتماعي ويبقى هذا الامر ثانويا. الى جانب عامل الزيادة الطبيعية حيث ارتفاع مؤشر الخصوبة وانخفاض ملحوظ في وفيات الرضع، هذا التطور الديمغرافي ارتبط به تحول ” ثقافي” تتجلى تمظهراته الاساسية في التراجع المستمر للأسر الممتدة التي يشكل فيها المسنون ” المعمرون” سلطة رقابية مهمة في سلوكات افراد البيت ومصدر معرفة في التعامل مع معطيات المجال ومنها ” الرحمة بالموارد المائية الناذرة والاستغلال الرشيد لها” ، الى جانب التحول العمراني حيث الانتقال من القصور والقصبات التي تتأقلم والظروف الطبيعية السائدة وغير المستهلكة للماء بوفرة  الى عمران قائم على الاسمنت المسلح ومكونة من مرافق مستهلكة اكبر لهذا المورد الثمين حيث الحمام والمطبخ والمرحاض… والمشكل ليس توفر هذه البنيات الجديدة بل لحجم المياه التي تستهلك نتيجة استعمالها بشكل غير عقلاني لكونها – المياه- اصبحت سهلة الولوج وقريبة ايضا حيث الانتقال من عهد الابار والمطفيات الى الربط المباشر وما يتبع ذلك من تقليص مسافات الولوج الى هذا المورد الضامن للحياة، ويقلل من معانات توفره والحاجة الى التقشف في استعماله ويقوي من تضييعه، كما ان كلفته اذا ما قورنت بحاجات استعماله تعد مساعد على التضييع بشكل اكبر خاصة في صفوف الفئات الشابة التي تأثرت بحياة المدن والحواضر إما بالاحتكاك المباشر او عبر الوسائط المختلفة الناقلة لنماذج الرقي الاجتماعي والتي لا تستشعر نذرة هذا العنصر بالوسط الذي تعيش به، وما يقابل هذا من التراجع المستمر لمكانة الكبار ” الاجداد ، الاعمام …وغيرهم من مصادر المعرفة والثقافة والمهارة والخبرة التقليدية الرؤوفة بالماء بهذه الاوساط ”  في عملية التنشئة الاجتماعية، حيث المدرسة والشارع والإعلام ومختلف الوسائط الحديثة التي لا تولي اهتماما كبيرا لهذا الجانب في حياة الفرد بهذا الوسط او لنقل بشكل ادق لم يستطع البعض منها ان يحقق الناجعة المطلوبة في هذا الاتجاه بل ان بعضا منها ومن خلال ما يروج له من نماذج الحياة عبر افلام او وصلات اشهارية يذكي منحى الاستغلال اللاعقلاني للموارد المائية، واذا ما اردنا ان نقف على الاثر المحتمل لهذه العوامل في تبذير هذا العنصر الحيوي، فان قراءة سريعة في البيانات المقدمة من قبل مؤسسات توزيع الماء بالمراكز الحضرية او القروية بالمجالات الواحية ستظهر بجلاء المنحى التصاعدي لاستهلاك الماء بهذه الاوساط مع توالي السنوات حيث تتحد تلك العوامل لتثبيت هذا المنحى الذي يهدد الفرشات المائية للمنطقة التي باتت تعاني عجزا في ميزايتها، اخدا بعين الاعتبار ان نسبة التجدد الموارد المائية تبقى ضعيفة تحت وطأة ضعف التساقطات المطرية السنوية من جهة، وهو على كل حال معطى بنيوي في مناخ الاوساط الواحية بحيث لم يسجل وفق ما تقدمه محطات الرصد المناخي المتاحة تغيرا كبيرا عبر عقود من الزمن – لذلك ظل يشكل اكراها طبيعي يقتضي التأقلم معه بالدرجة الأولى-، ومن جهة ثانية ارتفاع درجات الحرارة بهذا الوسط لا تمكن الفرشات المائية من فرصة الاستفادة من الحمولة المائية للتساقطات، حيث سرعة وقوة ظاهرة التبخر التي تعرف ارتفاعا على طول السنة مع تفاوتات بين فصل وأخر.

 وإذا ما حاولنا التدقيق في درجة مساهمة كل عنصر/عامل من العوامل المذكورة انفا فان بحثا ميدانيا سيبرز بشكل ادق وقع كل منها على حدى، كما ستوضح التفاوتات الواضحة في استهلاك الماء بين المعمار المكون من المادة المحلية ” القصور والقصبات ومساكن اللوح” والمعمار الحديث المكون من الاسمنت والحديد، الى جانب ما يمكن ان تبرزه بجلاء استبيانات حول الفروقات بين اسر لازالت فيها قيمة للمسنين على المستوى الرقابي والمعرفي والتنشئوي او تلك التي مازالت تعيش على محاصيل الارض وأخرى دخلت ما يمكن ان نسميه تجاوزا الرقي الاجتماعي ” اسر نووية” بفعل انتشار التعليم والتلفزة والهجرة الى المدن وغيرها والتي نقلت سلوكات او تأثرت بها بخصوص استعمالات الماء من مجالات تعرف “فائضا في هذه المادة الحيوية” والاقتداء بها في مجالات تعاني توازن هشا في هذه المادة، اي الاقتداء كتعبير عن رقي اجتماعي وثقافي دون استحضار البعد المجالي للممارسة ودوره في تحديد طبيعة السلوكات .

 2.   خيارات اقتصادية تمس بالتوازن الهش للوسط:

      الى جانب ما اسلفنا الحديث عنه من تطورات مست الجانب الاجتماعي بالواحات المغربية ومدى تأثيرها على العنصر الضامن للاستدامة في هذه الاوساط الهشة، فان دخول هذه المجالات لمرحلة جديدة في جانبها الاقتصادي يحتم على كل متتبع الفحص والتمحيص للآثار المحتملة على سيرورة الحياة بهذه الواحات وتقييم الاثر البيئي لها، فإذا ضلت على مدى عقود من الزمن تشكل الانشطة الاقتصادية المعاشية المحور الاقتصادي الرئيس للمنظومة الاقتصادية بالواحات ، انشطة مقلالة موجهة للاستهلاك الذاتي او بالكاد السوق المحلي تدور في فلك غراسة النخيل والزراعة التحتية ،تربية ماشية مرتبطة بها ومستحضرة لروح الاستدامة حيث تشييد السواقي والخطارات للحفاظ على المياه واستثمار اكبر لها، فإن التطورات الاقتصادية للواحات خلال العقود الاخيرة تبرز منحى جديد لاحتضان هذه المجالات لأنشطة اقتصادية جديدة لا تتناغم والمنظومة البيئية الهشة المطبوعة بنذرة الماء ،انشطة مستهلكة للماء بشكل اكبر حيث باتت تستقبل هذه الاوساط استثمارات فلاحية تراهن على التسويق الخارجي بالدرجة الأولى- نقصد خارج مناطق الإنتاج-  وترتكز على المنتوجات الفلاحية ذات القيمة المضافة بشكل تصاعدي من قبيل استثمارات ” الدلاح” او البطيخ الأحمر حيث الهدف الاساس بالنسبة اليها هو مراكمة الارباح من خلال زرع عشرات الهكتارات دون لفت النظر الى ما يمكن ان ينجم عن ذلك من اثار على استنزاف الفرشات المائية التي تستغلها من خلال حفر ابار بأعماق لم يسبق للمنطقة ان شهدتها تتجاوز مستوياتها الفرشة السطحية التي عادة ما يستغلها فلاحي هذه المجالات الى الفرشات الباطنية الموروثة عن الفترات الرطبة السابقة وذلك دون مراعاة مستقبل المنطقة عموما ، حيث الاستقرار البشري رهين بتوفر المورد المائي، بل باندثاره يصبح مكون الارض عديمة القيمة “والتجربة الماثلة امامنا هنا منطقة سوس ” التي دخلت مرحلة متقدمة من التدهور ودفعت بالمستثمرين الى وجهات “بكر استثماريا”  نموذج هذه المناطق، ولعل ما يبرز الدلالة القوية لعنصر الماء في هذه الاوساط بالخصوص هو ما يصطلح عليه في العرف ب ” الحق في الماء”، بل انه عامل اساسي في البنيات الاجتماعية بالأوساط الواحية المغربية واحد علامات الرقي الاجتماعي خلال العقود السالفة، لذلك فان الامعان في الجدوى الاجتماعي و البيئي للمشاريع المسترسلة في هذه المناطق والتوجهات الجديدة التي تدفع في اتجاه ان تصبح مناطق متخصصة في انتاج هذا النوع من المنتوجات الموسمية يطرح اكثر من علامة استفهام حول مدى ادارك خطورة هذا الخيار، وتمثل – القاصر-  للدافعين به لمفهوم التنمية البشرية المستدامة بهذا الوسط، اذ مقابل استفادة المستثمرين ومراكمة ارباح مهمة تحول مباشرة الى ابناك المدن الداخلية، فان وقعها الاجتماعي لا يرقى الى ان يشكل رافدا لتوفير فرص الشغل ومصدر حقيقيا لإنتاج الانشطة المدرة للدخل لساكنة هذه المناطق بالشكل المطلوب، بل ان اثارها البيئية المدمرة ستزيد في استفحال وضعية الاسر  والمس بأحد ركائز التنمية المحلية الهش خلال السنوات القليلة الماضية، كما ان الاحتماء بمقولة ترشيد استعمال هذا المورد الثمين بهذه المناطق من قبل هؤلاء المستثمرين كتعبير عن اهتمامهم بهذا الجانب تفقد قيمتها الحجاجية اذا ما استحضرنا الطبيعة المناخية للوسط التي لا تساعد على تحقيق نجاعة هذا البديل بالنظر لقوة التبخر.

      هذا عن الوجه الاولى للأنشطة الاقتصادية الغير الرحيمة ببيئة الواحات وخاصة الماء كعنصر مهيكل للمنظومة بكاملها، اما الوجه الثاني فيتمظهر في النشاط السياحي وهنا السياحة كخيار اقتصادي مراهن عليه في در الدخل و توفير فرص الشغل واحد ركائز الدخلية للقاعدة الاقتصادية للتنمية المحلية ، غايته ان ينتقل بهذه المجالات من مراكز عبور للسياح الى قبلة استقرار لفترة أطول حيث تحولت الواحات في السنوات الاخيرة الى مستوطنات للمشاريع السياحية ” ماوىء ، فنادق، مخيمات …” تحوي مرافق اساسية لتلبية حاجيات السياح او الزبناء من قبيل المسابح وكذا المرافق الصحية ” المراحيض، والحمامات”والمطابخ الغير المربوطة بتطهير السائل، فهذه المرافق التي تشكل احد الضروريات لاستقطاب سياحي افضل وتنافسية اكبر وبالتالي أرباح اقوى يلازمها استهلاك قوي للموارد المائية – علما ان الارقام المقدمة من قبل الدارسين بخصوص حصص استهلاك السياحة للماء بالمغرب فتجعلها القطاع الاول في حجم الاستهلاك _ فما بالك اذا كان استهلاكا في وسط ميزته النذرة في هذه المادة، يضاف الى ذلك ما يلحق احواض التجميع ” المسابح المعدة للاستحمام من تبخر يدفع الى تعبئة مستمرة، فضلا عن تلويث الفرشة المائية السطحية خاصة التي تشكل مورد السقي عند الفلاحين المحليين بفعل غياب محطات المعالجة بالنسبة لهذه المشاريع او عدم ارتباطها بقنوات الصرف الصحي في حال وجودها، مما يعني مزيدا من تأزيم الوضع حيث الانتقال من سؤال تدبير الطلب الى اشكال تدبير العرض حيث الافراط في استهلاك عنصر ناذر ينضاف اليه تلويث الاحتياطي الضعيف التجدد.

       يبدو اذن من خلال ما سبق ان انماط العيش الحديثة بالواحات والخيارات الاقتصادية التي انخرطت فيها هذه المجالات حديثا بدأت اثارها السلبية تظهر بشكل اوضح ، كما سيكون لها بالغ الاثر على مستقبلها باعتبار هذه التحولات تمس في العمق احد اسس الحياة و مقومات التنمية بهذه الاوساط ويدفع في اتجاه اتساع رقعة القحولة و والتصحر و الجفاف والهجرة وتدمير شخصية المجال وهويته لذلك بات لازما فرملة بواعث المزيد من التدمير والتدهور بشكل مستعجل، والتفكير في بدائل- على المدى المتوسط- تحفظ للمجال مقوماته ومنها الانشغال بإنتاج عقلية صديقة للبيئة الواحية في اوساط الاجيال الحالية وخيارات اقتصادية تضمن للمجال عناصر حياته كإرث تاريخي وثقافي وطبيعي قادر على تجسيد روح التنمية المستدامة يحقق عيش مقبولا للأجيال الحاضرة ويضمن للأجيال اللاحقة حقها في العيش.