حوار عابر للزمن.. مع ابن عباد/ محمد ناجي ولد أحمدو

- ملك الملوك.. أسامعٌ فأنادي

    أم قد عدتك عن السماع عواد؟

.. اسمح لي.. أيها الأمير.. إذا ما بدأت حواري معك بهذا البيت الذي افتتح به صديقك ابن اللبانة بكائيته لك.. وأنت تفارق الدنيا أسيرا، بعدما دخلتها، وفي فمك ملعقة الذهب.

أعرف كم هو عزيز عليك ابن اللبانة.. وكم بقي على وفائه لك.. رغم الأسر في "أغمات".. وأعرف كم أنا شخصيا شاعر بالذنب، الذي اقترفه عُمومتي عندما سجنوك، يا ابن عباد، في المغرب الأقصى.. وكم أخذتُ على أمير المسلمين يوسف أن أوصد عليك سجنه الموحش، وترك بناتك الأميرات، سليلات ماء السماء.. يغزلن للناس، ما يملكن قطميرا.

وا حزن التاريخ على ذلك.. ولكن هل سعيت حقا في زعزعة حكم المرابطين عن طريق الفتنة؟

 

ـ لا تأس على ما فات.. لقد أنقذ أسلافك العدوة القصوى، وتلك لعمري حسنة تغفر كل سيئة.. ثم لا تنس، يا ابن الأرض السائبة، أني قلت لملوك الطوائف "لئن أرعى الجمال لابن تاشفين، أحب إلى من أرعى الخنازير لألفونسو".. والملك في النهاية لا يهمني مقابل الأندلس وبقاءها زاهرة بالمآذن.

 

ـ اعذرني، أيها الأمير، إذا ما طرحت عليك هذا السؤال.. كيف لا يهمك الملك، وأنت قتلت في سبيله صديقك الأعز عليك من روحك محمدا بن عمار، وقتلته بيدك؟.. أية جريمة تلك.. لتكاد تفوق عندي جرائم الشعراء مصاصي الدماء: "المتنبي" حين جدع أنف غلامه، وأمر الأنذال بالإجهاز عليه، وطفق يبثه فخرا لا طائل من ورائه، يتصور قارئه أن الرجل سمك السماء ودحا الأرض.. والأناني النذل "ديك الجن" حين قتل حبة فؤاده، وملأ الأرض من مراثيها بعد ذلك؟

 

ـ أواه.. ابن عمار.. نكأت جرحا قديما.. رحم الله محمدا كان صديقي، لكنه تحالف مع الأعداء، وسمى نفسه أميرا.. لو جلستَ على الكرسي بعض ساعة لقدرت ظروفي.. لا شيء يوغر قلب ملك مثل خيانة المقربين.. قتلتـُه فعلا، لكنني قتلته ودموعي تسح على خدي.. لكم أذكر تلك العرافة الغجرية، التي قالت لي إنني سأقتله.. وضحكت من غبائها..

 

ـ المعتمد..  عفوا.. سأحول الحوار إلى جانب أكثر رومانسية، سوف أعزف على وتر ندي.. اعتماد الرميكية؟

 

*ـ  الرميكية.. يبدو أنك تعرف جلب السرور، كما تعرف جلب الحزن.. يا لله.. اعتماد كانت مملكتي الحقيقية، وكان حضنها استراحتي من جعجعة سيوف الطامعين والثوار والافرنج.. لقد كانت وفاة الرميكية حزنا عليَّ.. وأنا في سجني.. حزن لا يفوقه إلا زيارة بناتي لي يوم العيد، أتحفظ ما قلت حينها: 

فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً

                                          فساءك العيد في أغمات مأسورا

 

ترى بناتك في الأطمار جائعة

                                          يغزلن للناس لا يملكن قطميرا

برزن نحوك للتسليم خاشعةً

                                             أبصارهن حسيرات مكاسيرا

يطأن في الطين والأقدام حافية

                                              كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا

- لكنك في نهاية عمرك.. اعتصمت بالإيمان بالله، واعتبرت بتقلب الأحوال، طفقت تبثها غنائيات تطفح بالتوبة:

أما سمعت بسلطان شبيهك قد

                                      بزته سود خطوب الدهر سلطانا

وطن على الكره وارقب إثره فرجا

                                     واستغفر الله تغنم منه غفرانا

لا أريد أن أنكأ الجراح أكثر، لكنني آسف إذا ما أعلمتك أن الأندلس كلها سقطت في يد الإفرنج منذ خمسمائة سنة.

ـ الأندلس.. الأندلس سقطت!.. لقد حاولت أن لا يحدث ذلك.. ولكن الأندلس لا تسقط، الأندلس هي الحضارة.. والحضارة لا تموت.. هل بقي مسجد قرطبة.. والزهراء والنيلوفر والأماسي المترعة أدبا.. وابن حزم وزرياب؟.. هذه أشياء لا تسقط.