الاصطفاف الحزبي بين الديمقراطيين والجمهوريين… يا هذا… يا ذاك!

أربعاء, 2016-11-02 10:51
محمد كريشان

أنت أمام خيارين أحلاهما مر!! هذا تردد أكثر من مرة في انتخابات رئاسية شهدناها في الأعوام القليلة الماضي. 
خذ مثلا الانتخابات الأمريكية بعد أسبوع، من هم خارج الاصطفاف الحزبي المنضبط بين «الديمقرطيين» و»الجمهوريين» يعتقدون في الغالب أن لا أحد بين المرشحين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب يمكن أن يكون جديرا بأن يصبح سيد البيت الأبيض خلفا لباراك أوباما الذي أنهى مدتين رئاسيتين وسط انطباع محلي ودولي أنه كان من أضعف الرؤساء الذين مروا على الولايات المتحدة وأكثرهم عجزا على اتخاذ القرارات الكبرى الحاسمة حتى وإن كان أنهى نزاعين لعقود مع كل من إيران وكوبا. 
هؤلاء، مع ذلك، وبمجرد شروعهم في استعراض عيوب هذين المرشحين لا يتأخرون في الجزم بأن كلينتون تظل أفضل من ترامب في كل الأحوال. صحيح أنها ستعتبر في النهاية امتدادا لحكم أوباما الضعيف مع تحسينات طفيفة، لكنها لا تقارن بأي شكل من الأشكال بترامب، هذا الشخص «المنبوذ دوليا» على حد تعبير وزير الخارجية السابق كولن باول، الذي يعتبر كذلك تهديدا لاستقرار المجتمع الأمريكي نفسه بخطاب الكراهية الذي اتسمت به حملته الانتخابية ضد المهاجرين عموما والمسلمين والسود واللاتينيين خصوصا وكذلك نظرته الدونية إلى المرأة.
هذه ليست المرة الأولى التي يجد فيها ناخبون في مواجهة خيار مرير بين شخصيتين غير مقنعين لكن النظرة الواقعية تحتم في النهاية اختيار أخف الضررين. حصلت في بلادنا العربية حالات مشابهة بسياقات مختلفة طبعا، فحين آلت الانتخابات المصرية صيف 2012 إلى الاختيار بين مرشح حزب «الحرية والعدالة» الإسلامي محمد مرسي وأحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد حسني مبارك وجد قطاع واسع من المصريين أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه. من ثار على نظام مبارك وأراد تغييرا جذريا لم يجد ما «يشفي غليله» لا في هذا ولا ذاك، الأول يبشر بقيم لا يرتاح إليها كثيرون والثاني يشعرك بأن ما من ثورة تمت في بلاد النيل. في مقابلة على الهواء في القاهرة، سألت المرشح محمد مرسي آنذاك عن رأيه في من يرى أن الاختيار بينه وبين منافسة أشبه بالاختيار «بين الكوليرا والطاعون»، كما كتب أحدهم وقتها، فحاول قدر جهده أن يجيب كاظما غيظه من تشبيه كهذا. وعندما احتد الجدل حول ضرورة الحسم بين الرجلين، إختار المصريون بأغلبية بسيطة مرسي على شفيق لأن هذا الأخير كان من الناحية النفسية على الأقل إقرارا بفشل الثورة في حين كان اختيار مرسي محاولة للقطع مع العهد السابق حتى وإن كانت عبر توجه سياسي لا يحظى بإجماع كل المصريين.
في تونس أيضا، عندما جمعت الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية أواخر 2014 بين الرئيس المنتهية ولايته منصف المرزوقي ورئيس الوزراء السابق الباجي قايد السبسي، واجه عدد لا بأس به من التونسيين خيارا صعبا من وجهة نظرهم: هم لا يريدون اختيار المرزوقي الذي لديهم عليه ملاحظات عديدة في السنوات الثلاث التي أعقبت سقوط بن علي، لكنهم في المقابل لديهم تحفظات ليست بالهينة على قايد السبسي أبرزها سنه المتقدم إذ ليس مناسبا اختيار رئيس قارب التسعين بعد ثورة سميت بثورة الشباب. وفي النهاية، إختار هؤلاء ما سموه آنذاك «التصويت المفيد» أي التصويت لقايد السبسي لأن عدم الذهاب يوم الاقتراع أو عدم اختيار قايد السبسي لن يؤدي في النهاية سوى إلى فوز المرزوقي.
فاز محمد مرسي لكنه لم يهنأ بالرئاسة لأكثر من عام واحد إذ انقلب عليه العسكر وصار ما صار، فيما يستمر قايد السبسي في تحمل الأمانة بآداء يصعد وينزل إلى أن تحين ساعة الحساب في الانتخابات المقبلة عام 2018. كان من المهم جدا أن يرى المصريون بأم أعينهم نتيجة خيارهم الحر والطوعي في تلك الانتخابات ويحاسبون مرسي وحزبه تجديدا أو عقابا في أول موعد انتخابي مقبل، وكذلك هم التونسيون الذين ينتظرهم موعد جردة الحساب حتى وإن لم يكن مطروحا بداهة على قايد السبسي التجديد لنفسه.
شهدنا كذلك انتخابات رئاسية عربية أخرى، أراحت الجميع بوجود مرشح وحيد، لا أحد غيره، فإما أن تختاره أو تختار ورقة بيضاء أو تقبع في بيتك فهو فائز في كل الحالات برغبتك أو رغم أنفك: بشار الأسد نموذجا حيا ومتجددا. ربما ينطبق هذا الكلام عن الانتخابات الرئاسية الأخيرة في لبنان ولكن لهذا البلد نظامه السياسي الخاص ومعادلته المختلفة عن الجميع بحيث لا يجوز مقارنته بغيره أو تشبيهه بأي نظام آخر. آخرون فضلوا خوض انتخابات رئاسية تعددية بمرشحين مختلفين ولكنهم جميعا ارتضوا، بدرجات مختلفة، لعب دور «الكومبارس»… هذا ما حصل في انتخابات مصر الأخيرة وكذلك الجزائر. وكل انتخابات وأنتم بخير.