الاستانة السبب والتداعيات

خميس, 2017-01-12 10:05
فادى عيد

كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عازم منذ البداية على تمهيش اى دور للغرب بالملف السوري، وكذلك المؤسسات التى تديرها الولايات المتحدة من خلف الستار كالامم المتحدة ومجلس الامن، وجائت خطوة انسحاب روسيا من محكمة العدل الدولية كجزء من ذلك المخطط القيصري، ومن هنا جاء التوجه نحو كازاخستان ومحادثات الاستانة، لكى يتم الاعلان رسميا على ان روسيا هى الممسكة الاولى بزمام الامور سياسيا وعسكريا وربما الوحيدة بالملف السوري، وهى ظابط الايقاع الاجدر لدى منطقة الشرق الاوسط، بعد تعاملها مع كافة الملفات الملتهبة بالاقليم دون ذكر مصطلح الصراع "السني –الشيعي" كما تردد واشنطن دائما، أو بالاحرى كما كانت تتمنى واشنطن، فالاستانة تنهى اكلينيكيا "جنيف" حتى ولو كان لها فى العمر باقية، فهي ستقضيها فى الانعاش حتى تنتظر صدور شهادة وفاة القطب الاوحد سابقا (الولايات المتحدة)، والامر الاهم لدى سوريا والفاعلين بالملف السوري، هو أن السلطان العثماني ارتمى عقليا وفكريا وسياسيا فى عباءة القيصر هربا من العم سام، ولكن السؤال الذى يطرح نفسه هل القيصر يتخلى عنه كما فعل العم سام، أم أن السلطان اردوغان بالمرحلة القبل الاخيرة سيخلف وعوده للقيصر التى قسم عليها فى موسكو، وسيوقع عليها فى الاستانة، كما خالف وعوده من قبل مع العم سام وملك السعودية وغيرهم كثيرا.

 

وأن كان هذا السؤال يطرح نفسه، فبات القلق لدى طهران يتضح للجميع، وهذا ليس بسبب خروجها من صفة ضامن لمحادثات الاستانة، ولكن لرؤيتها للجيش التركي وهو يتقدم من كرقميش واوغزلي نحو الشمال السوري، ويتحرك بمدينة الباب ويتوجه نحو منبج بضوء أخضر من بوتين نفسه، بعد ان اوقف بوتين عملية تحرير باقى سوريا بالحسم العسكري كما حدث فى حلب، وهنا توقفت افراح طهران بتحرير حلب والتى ربما قد تكون فاقت افراحها بتحريرها لمدينة خرمشهر من يد صدام حسين، وباتت دمشق تتسأل كيف سيكون مصير مدينة الباب وهى من ستحدد ملامح حلب وربما شمال سوريا، وهى من تستطيع حرق ورقة الفدرلة التى بجعبة القيصر أذا تمكن منه الجيش السوري، ولا ينوى اشهارها مرة اخرى كي لا تغضب دمشق وطهران مجددا، وحقيقة الامر هى المرة الثانية التى تستشعر فيها طهران القلق تجاه بوتين، ولكن المرة الاولى التى لا تستطيع فيها قراءة ما يدور بعقله. حتى بات الجميع يتسأل هل ستكون "الباب" حفرة اوقع فيها بوتين السلطان المغرور الطامع فى اقتطاع لواء اسكندرونة جديد، كي تصبح بؤرة استنزاف جديدة للجيش التركي فى ظل الحرب الشرسة التى يخوضها الجيش والشرطة داخل الحدود التركية ضد الاكراد والارهابيين، ام ستكون نقطة لصالح السلطان وسيتمكن من فرض السيطرة عليها وتمكين الجيش الحر منها كي يقلب الطاولة السورية من جديد.

 

فالسلطان مناور بارع وعازم على دخول منبج آجلاً أم عاجلاً، بعد ان ساوم بغداد بسحب قواته من معسكر بعشيقة مقابل عدم تقدم الحشد الشعبي نحو الحدود التركية، وكذلك ساوم دمشق بخروج حزب الله من الميدان السوري مقابل التخلى التام عن جبهة النصرة، وكذلك ساوم اربيل بدعمها على كافة الاصعدة مقابل ضرب مشروع روج افا، خاصة بعدما أدرك الاكراد فشل مشروع "روج افا" (غرب كردستان) واستبدلو بمشروع "شمال سوريا" الذى يشمل كل اطياف ومكونات الشمال السوري بعيدا عن النعرة العرقية الكردية، ويبقى السبب الاول فى اشتعال وادى بردي بالمعارك الطاحنة بين الجيش السوري والتنظيمات المسلحة، هو تحسين وضعية أنقرة على طاولة المفاوضات او المساومات أن دق التعبير امام موسكو بالاستانة.

حقيقة الامر أفضل مناور جاء على مدار اربعة عقود سابقة، دخل تجربة جديدة بعد الارتماء فى عباءة القيصر هربا من العم سام، ويحسب له سرعة الاستدارة، وحتى ان كانت النهاية واحدة فى كل الحالات، فيكفي أنه أعطى لنفسه فرصة جديدة، واضاف امامه جولة اخرى، أما فلاديمير بوتين الذى بحث كثيرا عن عمود فى الشرق الاوسط يبنى من خلاله سياسة جديدة للشرق دون أن يجد الطرف الامثل والاقوى، يبقى هو الاخر دخل مغامرة من الصعب تأكيد القول بكيف ستكون نتيجتها وكيف ستكون نهايتها، وهنا لا نستغرب سحب جزء من القوات الروسية فى سوريا، فمنذ شهور طلب جنرالات بالجيش الروسي ضرورة وسرعة الانسحاب من سوريا فى ظل ما تتسببه الحرب السورية من تكلفة مادية باهظة لموسكو التى تتعرض كل يوم لعقوبات اقتصادية غربية قاسية.

اما بخصوص عودة حاملة الطائرات الروسية الادميرال كوزينتسوف من سوريا، فكان تواجدها برفقة الطراد بطرس الاكبر لوحده رسالة هامة للغرب الذى تجيش للحظة لاسقاط بشار الاسد عسكريا، قبل ان تفرض موسكو كلمتها فى النهاية، والان الادميرال كوينتسوف توجه رسالة ثانية للغرب ولكن فى تلك المرة ليس بالسواحل السورية ولكن بالسواحل الليبية، بعد ان اجتمع بها قادة عسكريين روس بالمشير خليفة حفتر قبل ان يتحاور مع وزير الدفاع الروسي عبر الفيديو، وهو لقاء حمل فى توقيته رسالة هامة من ليبيا أيضا بعد تنديد مجلس النواب الليبي بالامس بدخول بوارج ايطالية محملة بالسلاح والجنود للمياة الاقليمية الليبية.

فلم نبالغ وقت أن قلنا أن فلاديمير بوتين يصحح اخطاء سيرغى سازانوف منذ مئة عام، ويعمل على رسم خريطة جديدة للمنطقة قد تمتد لمئة عام قادمة.