الحالمون والطيبون وحدهم من يختنق في هذا المساء

خميس, 2017-03-16 16:42
باب ولد سيد أحمد لعلي

أن تكون لك طموحات جمة في فضاء تتشابك فيه الهمم الوردية بمخايل الأراذل القاصرة ، فهذا أمر ليس عن الجنون الذي يؤدي إلى الضياع المحتوم ببعيد ، لكن السيول التي تجري تحمل في ثنايا مجاريها ما لا يشتهي المنتظرون الذين يستسقون كل يوم ويعبدون ربهم القاطن في مجد من ورق زيفت معاني دلالاته الأطماع والدسائس والمخادع ولا يزال صاحبه يظن توهما من نفسه الضائعة في غرورها الأبدي أنه على شيء ..

قدر البشرية أن تظل هكذا وأن يكون الأراذل في الأعلى والأسافل معهم في نفس الركب ومن اختار قيمه بدلا من سفاسف الأمور مكانه في الأسفل محجوز بالتأكيد وقد تعارف على ذلك كل فرد ساهم أو من المحتمل أن يساهم في إدارة لعبة رغم ضروريتها وأهميتها إلا أنها قذارة من يقوم عليها دائما يجعل معنى البشرية والإنسانية كلها في أسوء الدلالات وفي أتفه المفاهيم ، لم لا ونحن نعلم علم اليقين أن كل الشعارات المتبعة دوليا ومحليا مجرد وسائل للتضليل وتزيف الواقع ..

فسيظل المطبلون يصنعون أمجادا من الخيال المرصع بتجليات الطمع والغرور ، وسيظل الذين يظنون أنهم أهل المجد والفخر في دنياهم الخالية يعبثون وتظل حياتهم مقسمة تبعا لذلك إلى عالمين ، عالم من الخيال البعيد الذي لا يرى الواقع من خلاله نتيجة لتوهمات من خلفهم ونتيجة لنظرتهم الأنانية لأنفسهم هم ، وفي الوقت الذي عالمهم تحيط به دلائل الواقع المرّ المخبئ في أزقة المدينة الضائعة والمتنامي في أعين الضعفاء ومن لا يملك لنفسه شيئا ، فما السياسة إلا لعبة هدفها الأول في عالمنا السيطرة والتمكين وإيجاد الأدوات اللازمة لذلك ، وما كل ما نسمع من خلال ذلك حق ، فالحق فيها مكبوت والباطل ظاهر معلن والحياة فيها بالآمال والأحلام أمر سهل جدا وليس عن مستطاع من يحكم ببعيد ، لكن مفارقات الواقع وضعف الوسائل الحقيقة المترتبة عليه أمر مزعج إلى حد كبير لدى من يطعم الناس الوهم كل يوم ...

مشكلتنا الوحيدة في موريتانيا أننا مجتمع مسالم ومجتمع عفوي جدا ، وأن ذاكرتنا أضعف من ذاكرة الديكة ،وأن نظرتنا للقوي وللأعلى نظرة فريدة ، فلا يمكن لنا أن نعادي من يملك أبدا ولا يمكن أن نسائل عن مصدر الملك ذلك ، ونتعامل معه كما هو مقدر وصاحبه على نفس المستوى حتى يزول ، لذلك كان اختطافنا أسهل شيء وكان اللعب بنا أسهل شيء وكان بيعنا كذلك أسهل شيء ...

وجوه ألفناها وكلمات اعتدنا عليها وشعارات أصبحنا نحفظها حتى التمام وانجازات لا تنسى لأنها مصدر كل تلك الشعارات ولأنها الموضوع الأكثر انتشارا وتداولا عند من يملك ، وكأن حقنا أصبح منّةً ، وكأن دماءنا التي تجري في عروقنا ليس دماء ...

كانت حياتنا بسيطة وكانت الأمور التي تزرع في عقولنا ونحن صبية أجمل بكثير من كل شيء في حياتنا تلك ، علم ودولة وأمة ووطن أول فضاء ارتسم في أذهاننا ، أول جرز مكثت فيها مخيلاتنا إلى حد السكر والثمول لكن للأسف لا يوجد ما يدعم خوالف تلك الخيمة المسافرة وليس للطائر المجنح بنا غير جناح واحد ، ذلك الوطن يتنفذ فيه الخونة ولا يستفيد من خيراته إلا الجواسيس ومن يبيع عرضه في وضح النهار ، ومن يشتم الأحرار من أجل أن يكسب ود المختطفين ومن هو في برجه السماوي قائم لا يدري عن أهل الأرض أي شيء ..

كانت راية ذلك الوطن أجمل شيء وكان لونها يشبه لون الجنان بالضبط كما قيل ورويّ عن أوصافها من مقدسات الكلام ، وكان أهلها فيما تعرفنا على ذلك في الكتب المدرسية الأولى طيبون يفدوها بأرواحهم لأنها فوق كل اعتبار ، وكان في نظرنا أن القائد شخص لا يخون ولا يمالي ولا يقول إلا ما زرعته في قلبه محبة الوطن ، لكن الكتاب الذي تعلمنا فيه كل ذلك وُضع وداسته أقدام أناس آخرون مختطِفون لا يفهمون إلا ما يدركون عن مصالحهم ، ولا يفعلون إلا ما يخدم تلك المصالح ..

فمن للضعيف ومن للمسكين ومن لصاحب الحق العاجز عن أي شيء ومن للعقول إذا أفرغت من كل محتوى ، ربما أولائك الأشرار لا يفهمون كل ذلك ، فلم يرضعوا لبن نساء هذه الأرض بل كانت المياه التي تسقيهم آسنة جدا ولم يجدوا لعذوبتها إلا خيرات هذه البلد  بعد اغتصابه...
فأكبر إثم يرتكبه المرء هو تغيير صورة وجه أحبه وألفه وصنع له من الخير ما صنع وتقاسم معه عشقا المرارة والرضا دون مبررات وحجج قد يُحتفظُ من خلالها بملامح وجه المحب بعد تبدله ...

يمكن لمن هو حاكم ولمن يملك رقاب الرجال في الوقت الحالي أن يفعل ما يريد وأن يصنع المغالطات والأكاذيب ويحولها إلى حقائق رغم ومخالفتها لمنطق الحق إجمالا ، لكن للتاريخ قصص وروايات وشهادات هي الخالدة بعد زوال الأثر وانقضاء الأيام ، لكن تلك الحقيقة لا يعيها من أعمى الله بصره عن نوره ، فسبحان خالق الإنسان ...

موريتانيا الدولة التي صنعت فرنسا من فتاة العدم والتي باتت تعبر عنا جميعا واندمجنا فيها شعوبا وقبائل رغم اختلاف المجالات الجغرافية والطبائع الاجتماعية على كف عفريت ، وليس الفاعل إلا غرٍ سخر الله له الدنيا في لحظة من اللحظات ...

لكن لا غرو في ذلك من خان مرة سيخون مرات عديدة ، من خان ثقة سيده الذي  تكالبت عليه الخطوب والظنون وأصبح يشكُ في ظله حتى أعطاه هو الثقة كقائد لحرسه ليصنع من تلك الثقة مجده هو ليقدم للحرق في أول المجد ابن عمه ثم يدير الظهر ويطعن في الجميع على الملأ ، سيخون موريتانيا جميعا ولا يسأله أحد في ذلك ...

فلله نستودع هذه البلاد والعباد ونأمل فيه الفرج القريب ، ليس في مقدورنا نحن الحالمين والتائهين في عرصات هذا الضياع إلا الصبر والانتظار عساها تمطرُ ذات مساء ، فربما يأتينا في الغد القريب من يحمل لنا البشارة ويسقي الحرث ويبدد الجراح الكثيرة عن وجه هذه الحسناء الصحراوية التي ألفنا حضنها رغم جفائه في بعض الأحيان بفعل علاقاتها المعقدة مع رجالها ومن اغتصبها رغم أنفها ..