بشائر لعصابه.. ومنْ لا يكرِّمْ نفسه لمْ يكرَّم...!

أربعاء, 2017-04-19 17:53
المصطفى بن أمون

لقدْ تابعت باهتمام بالغ كغيري من سكان ولاية لعصابة المهرجان المنظم السبت الفارط بقصر المؤتمرات تحت عنوان: بشائر لعصابه الذي تمَّ تنظيمه من طرف بعض أطر ووجهاء لعصابة دعما للتعديلات الدستورية الناجمة عن الحوار الأخير,

ولقدْ سمعت وشاهدت كما سمعتمْ وشاهدتم بكل تجرُّدٍ وتمعُّن تلك الخطابات الرَّنانه والعبارات الطنانه..ولاحظت وربما لاحظ الجميع معي تلك العواطف الجياشة والمُبالغاتْ المفجعة والأفراح المصطنعة والأتراح المكتتمة والآمالْ المحتشمة...!!

ومع أنه لا معرة بلْ ولا غضاضة مطلقاً في تعبير أيٍّ كان عن ولائه أوْ دعمه لمنْ شاء بما شاء..دون أدنى غضاضة أوْ تمحيص..,   

إلاَّ أنه على كل واحدٍ منا لكيْ يكون ولائه مُقنعاً وعطائه مُمتعاً ودعمه صادقاً ومعتبرا..عليه قبل كل هذا وذاك أنْ يكون انتمائه صارما وحازما وقوياً بما فيه الكفاية,

لقدْ ولدنا وترعرعنا على أديم هذه الولاية الحبيبة نختال فيها شرفاً وتيهاً...درسنا في حواضرها ومحاضرها وسمرنا وتسامرنا بين جبالها ووهادها وشربنا من ينابيعها الماء الزلال دون أنْ يكدّره طمعٌ أوْ يشوبه جشعٌ..واستنشقنا نسيمها العليل بين واحاتها الغناء دون أنْ نطأطئ رأساً إلاَّ لبارئنا وبارئها جلَّ وعلا...وقديما قال الشاعر ابن الرُّومي:

ولي وطنٌ آليتُ ألاَّ أبيعه***وألاَّ أرى غيري له الدهر مالكا

وحبَّب أوطان الرجال إليهم***مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذاً من حقّها علينا أنْ نحفل بها وطناً عزيزاً وأماً رءوماً وحضناً حنوناً ومجناً من نوائب الدهر وعاديَّات الزمنْ, وأنْ نُخلِّد أمجادها وأجدادها ومرابعها وأنجادها... وذلك أضعف ما تستحقه علينا من بر وردٍ للجميل...

لا أنْ نجعل منها بقرة حلوباً أوْ بنتاً مُتبنَّاة نبيعها في سوق النّخاسة السياسية متى سنحتْ لنا فرصة أوْ لمع وميضْ...!!

أما كان من الأجدر بنا أنْ نسقيَّ عطاشها ونواسيَّ مرضاها ونساند ضعافها ونمدّ يدَ العون لزُرَّاعها ونسامرَ منميها ورعاتها..ثم نطلب منهم بعد ذلك كله وهم منْ هم في الكرم والإيثار.. أنْ يصوتوا لنا على التعديلات الدستورية أو المجالس الجهوية أو المحلية أو أو...أتظنون أنهم بعد كل هذا سيخذلونكم؟؟ لا وكلاَّ وأدواتُ النفي كُلاّ..!!

ما ذا لوْ كان هذا المهرجان المنقطع النظير بعنوانين: دعم التعديلات الدستورية وجمع التبرُّعات لسقاية مدينة كيفه العطشى منذ ردح من الزمن؟؟ ما ذا لوْ كان المهرجان منظما من قبل أطر ووجهاء لعصابة من أجل نفض الغبار عن وجهها الثقافي المطمور؟ ما ذا لوْ كان هذا المهرجان من أجل التعريف بولاية لعصابة وعطاء علمائها وأدبائها..ورسوخ قدمها في المجد والتاريخ..وعلى هامش هذا المهرجان تكون الدعاية لدعم التعديلات الدستورية مبررة ومقنعة.. وفي محلها ومكانها المناسبْ؟؟

يا أطر ووجهاء لعصابة ما ذا تتوخون يا ترى من هذا المهرجان المهيب والبهيج في آن واحدٍ..؟؟ هل تريدون إقناع رئيس الجمهورية وأغلبيته مثلا بأنكم على العهد باقون وبالوفاء متشبثون؟ أمْ أنكم تريدون إقناع أنفسكم أصلا أنكم ما زلتم مساندين وموالين؟!! أمْ أنه لا هذا ولا ذاك؟؟ أمَّا إقناع سكان ولاية لعصابة بالتصويت للتعديلات الدستورية من خلال هذا المهرجان فلا محلَّ له من الإعراب أو المنطقية..!! أما كان من الأحرى بكم ما دمتم عاجزين أوْ متخاذلين عن إسداء أيِّ خدمةٍ مهما كانت بساطتها لسكان هذه الولاية الحبيبة ومع ذلك مُصرين ومتحمسين لإعطاء فروض الطاعة والولاء..باسمهم أن تجعلوا هذا المهرجان الكبير والباذخ.. في مرابعهم وبين ظهرانيهم علَّ وعسى أنْ يستفيد من فتاته بائع الرصيد أوْ بائعة الكسكس والنعناع أوْ أوْ..منهم المطحونين بالفقر المدقع وغلاء المؤن والمعيشة..؟؟!! لقد عبّرتم بهذا المهرجان الصاخب عن مدى استخفافكم وازدرائكم بسكان هذه الولاية الحبيبة, لقد قلتم لهم بلسان الحال وهو أبلغ من لسان المقال أنَّ سكان ولاية لعصابة هم الغائب الذي لا ينتظر والحاضر الذي لا يستشار..!!

يا أطر ووجهاء ولاية لعصابة إنكم في وادٍ وسكان ولاية لعصابة العزيزة في وادٍ..!! وهذا لا يعني أبداً أنهم باتوا مغاضبين أوْ معارضين.. أوْ عن الأغلبية والموالاة مُرتحلين.., بل إنَّ لديهم من الهموم والغموم.. وشظف العيش ومعاناة الحياة.. ما يشغلهم عن هذه المطبات والمتاهات والخزعبلات...!!

إنَّ على رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز وليعتبرْ أنَّ هذه نصيحة من مُجرِّب وشاهدٍ من أهلها.., ألاَّ ينخدع بسراب يحسبه الظمآن ماءا حتى إذا جاءه لمْ يجده شيئاً!! بلْ عليه أكثر من ذلك إذا ما أراد حقاً دعم التعديلات الدستورية من سكان ولاية لعصابة الطيّبين وهم الذين لمْ يخونه يوماً في ساحات الوغى والنِّزالْ..أنْ ينزل إليهم ويضمِّد جراحهم ويتحسس آلامهم وأوجاعهم وما أكثرها, فإنهم يستحقون ذلك وأكثرْ, فإنّهم ما خانوه قطُّ وما همْ بنادمين وليسوا للأيادي البيضاء بناكرين أوْ جاحدين.., وأمَّا ما عدى ذلك فليس برهان, ألا هل بلغت اللهم فاشهدْ.

فما ذا يعني لمباركه وزينب ومسعودة وقد تسمَّرن على قارعة الطريق يُصميهنَّ أوَّارها ويعميهنَّ غبارها.. يبعن حُبيبات من الفستق أو الفول السوداني من أجل سدِّ رمق العيش ورمق العيش فحسبْ مهرجان هناك يقام في قصر المؤتمرات أو فندق خمس نجوم من أجل إظهار التقرب والولاء..؟!! بل ما ذا يعني لشيخ هرم وهرم وقدْ بلغ من الكبر عُتياً يبكر بكور الغراد منذ ثلاثين سنة عجافا وقد أضناه شظف العيش ونكد الدهر ومكابدة الأيام.. يبحث عن ما يسدُّ به رمق صغار خلَّفهم وراءه زغب الحواصل لا ماء ولا شجر..في الخطابات الرنانة والمهرجانات الطنانة التي تقام هنا وهناك فهو أصلا لا يملك وقتا لإضاعته ولا يملك مذياعا ولا تلفازا.. وأمَّا العالم الافتراضي فهو بالنسبة له ضرباً من الخيال ولا هم يحزنون؟؟!!

وخلاصة القول لقدْ تابعت مهرجان بشائر لعصابة والحقيقة أنّني في حيرة ممَّا تبشر به لعصابة في هذه الأيام..هلْ بعطش بلغ المدى؟! أمْ بفقر مُدقع عمَّ فطما؟؟!! أمْ بديار مهجورهْ؟! أوْ بأمجادٍ مطمورهْ؟!! وعلى كل حال لقد تابعت بلْ شاهدت باهتمام المهرجان المرَّة تلوى المرَّة.. والكرَّة تلوى الكرَّة..دون طائل خطابات رنانة وعبارات طنانة وقسمات أوجه متشابهة وإطراءاتٌ متهافتة...!! لكنه ذكرني أكثر من أيِّ حدث سبقه بمعلقة حكيم الشعراء صاحب منْ ومنْ زهير ابن أبي سلمى المزني وخصوصا بيتيه التاليين:

ومن يغتربْ يحسبْ عدواً صديقه***ومن لا يكرِّمْ نفسه لمْ يكرَّم

ومنْ يكُ ذا فضلٍ فيبخلْ بفضله***على قومه يستغن عنه ويُذمم