الانبطاح والازدواجية في بعض التفكير العربي

خميس, 2017-04-20 10:25
سعد ناجي جواد

بغض النظر عن موقف اي شخص او فئة او جماعة سياسية تجاه نظام الحكم في سوريا وشخص الرئيس بشار الأسد فان الموقف الذي يقفه البعض من الضربة الجوية الامريكية على سوريا يثير الذكريات المحزنة والمؤلمة والتي يبدو ان الكثير من العرب ، مسؤولون وغير مسؤولين، قد نسوها او تناسوها لاهداف سياسية كاذبة وخادعة. ان هذه المواقف لابد وان تذكرنا بما كان يتعرض له العراق قبل الاحتلال من حصار لا انساني وقاتل ولا تقره كل الشرائع السماوية والقوانين الانسانية، وضربات جوية أمريكية مستمرة ذهب ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، بل وصل الى ما يقرب مليوني ضحية، ناهيك عن الجرحى والأيتام والأرامل، ثم الغزو الامريكي – البريطاني والاحتلال والتدمير والذي استخدم فيه أطنانا من الأسلحة المحرمة دوليا وأسلحة نووية كان من اهم نتائجها ارتفاع حالات الإصابة بالسرطان بأكثر من 2000% ، ونفس الموقف وقفوه من ضرب ليبيا والعدوان الصهيوني من ضرب حزب الله في عام 2006، لا بل ان البعض كان يطلب من اسرائيل ان تستمر في عدوانها حتى وان أدى ذلك الى تدمير لبنان كلها.

و رغم كل هذه الماسي كان بعض العرب وحكومات عربية تؤيد هذه الأفعال وتعتبرها ضرورية لاسقاط نظام الرئيس السابق صدام حسين ، لا بل كان البعض يرقص طربا لهذا القصف ويطالب بالمزيد. وكانت كل دعوة او حديث عن رفع الحصار وتقليل ماسي الشعب العراقي وخاصة الأطفال والنساء والشيوخ تقابل باتهام المطالَب بها بانه من ازلام النظام السابق . ولما كان المرء يحاول ان يناقش هؤلاء المؤيدين لتشديد الحصار وإدامته وبعد ذلك الاحتلال بان أمريكا التي قتلت أكثر من مليون شخص كان اغلبهم من الأطفال وتقصف البلاد قصفا عشوائيا لتقتل المزيد من الأبرياء وأنها في عملية تحرير الكويت دفنت أكثر من ثمانين الف جندي بالجرافات احياء في خنادقهم لا يمكن ان تكون تضمر خيرا للعراق وللعراقيين، كانوا يجيبونك بان هذه هي الطريقة الوحيدة لتحرير العراق. من ناحية ثانية كان النظام ومؤيديه يرفضون أية دعوة للإصلاح ويعتبرونها اصطفافا بل وتعاونا مع المخططات الشريرة التي تحاك ضدالعراق.

وهكذا كان اي عقلاني متهم من الجانبين. اليوم يتكرر نفس المشهد حول سوريا والضربة الجوية الامريكية الاخيرة ضدها. وتتعالى العديد من الأصوات العربية ومن المعارضة السورية مطالبة بالمزيد، وبغض النظر عن عدوانيتها ونسبة التدمير التي تحدثها والأبرياء الذين يسقطون بسببها، وحتى قبل ان يتم اجراء تحقيق محايد عن ما جرى في خان شيخون . لا احد يستطيع ان يدافع عن نظام حزب البعث في سوريا من ناحية الديمقراطية واحترام حقوق الانسان. ولا عن الطريقة التي تم بها انتقال الحكم بالتوريث الى الرئيس بشار الأسد. وينسى الكثيرون ان نفس النظام  كان مسكوتا عنه عندما كان متحالفا مع المشاريع الامريكية والغربية ضد العراق او ساكتا عنها.

ان الطريقة اللاعقلانية والتي تحكمها مواقف البعض من الحاكم وليس المصلحة الوطنية لا تزال مستمرة لحد الان، ولا يهم لدى المنادين بها ان كانت ستؤدي الى احتلال سوريا وتدميرها وتحويلها الى عراق او ليبيا اخرى. ولا ادري كيف يعتقد هؤلاء ان السيد ترامب الذي ادرج المواطنين السوريين كافة نساءا وأطفالا وشيوخا وشبابا في قانون يمنعهم من الدخول الى الولايات المتحدة، اي بكلمة اخرى اعتبرهم جميعا من الإرهابيين الذين يهددون أمن أمريكا، كيف يمكن ان يضمر خيرا للشعب السوري ، او ان ضمير هذا الرجل قد صحا فجاءة وانه قام بضربته حماية لحقوق الانسان السوري. ان غياب العقلانية والتفكير الهاديء يمنع اصحاب هذه المواقف من التفكير بالسبب الذي أدى الى تصعيد الموقف بعد ان ظهرت بوادر تدلل الى اقتراب توصل الاطراف السورية المختلفة الى قناعة نهج التفاوض لحل الأزمة التي تطحن ارواح المئات من السوريين يوميا. ولا لماذا تكون اسرائيل  وأطراف المعارضة المرتبطة بها و بالغرب هي الأطراف الأكثر مطالبة بتكرار الضربات الامريكية لسوريا وضرورة استهدافها للجيش العربي السوري وكافة منشآته.

لقد أظهرت اعترافات متاخرة جدا ان الولايات المتحدة الامريكية كانت تمنع فرق التفتيش الدولية في العراق من تثبيت حقيقة ان العراق لا يملك أسلحة دمار شامل، وان الأعلام الغربي وحتى الرصين منه ساهم في تأليب الرأي العام العالمي على العراق وكان يدفع باتجاه الحرب واحتلال العراق والاهم تدمير جيشه، واليوم تلعب كل هذه الأطراف نفس الدور السيء من اجل تدمير سوريا واحتلالها. لا بل اني سمعت البعض قبل ايّام يقول ان الشعب السوري سيستقبل القوات الامريكية بل وحتى الإسرائيلية التي يدعوها لغزو سوريا بالزهور والترحاب، نفس ماكان يقال عن العراق. وكذلك الامر بالنسبة للسياسيين وكتاب الصحافة الغربيين. فاليوم من يقرا أية صحيفة غربية او يستمع لأي مسؤول اوربي يجده يردد نفس الكلام عن سوريا. وقبل ان يتم اجراء اي تحقيق محايد بما جرى يصر قادة أوربا والولايات المتحدة على اتهام سوريا باستخدام سلاح كيمياوي محرم، تماما كما كانت تفعل مع العراق قبل 2003،  واليوم تسرب اخبار عن نية الولايات المتحدة إرسال خمسون الف جندي أمريكي الى سوريا لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي والقوات السورية الحكومية. لقد انفقت الولايات المتحدة الامريكية ثلاث ترليون دولار على حرب العراق وتدميره، وهو مبلغ كان كافيا لنقل ليس العراق فقط ولكن كل الدول العربية والافريقية الفقيرة الى حال أفضل والى احداث تنمية بشرية شاملة فيها، ولكن الولايات المتحدة وحلفائها اختاروا ان ينفقوا هذه المبالغ الفلكية للتدمير وارجاع العراق وسوريا وليبيا واليمن أكثر من مائة سنة الى الوراء، مع حاجتها الى عقود من الزمن والى مليارات كثيرة لاصلاح ما أفسدته السياسة العدوانية المقصودة والتي كانت مدعومة من من يدعون بأنهم من أبناء هذه الاوطان.

لا توجد بوادر تشير الى ان طريقة التفكير اللاعقلانية ستنصلح ولا الى ان السياسة الامريكية والغربية والاهم الإسرائيلية سترعوي او تثيب الى رشدها طالما ان هناك من يؤيدها ومن يحثها على المزيد. ليس غريبا على الغرب والولايات المتحدة واسرائيل التفكير بهذه الطريقة، فالهدف واضح كما كان في احتلال العراق الا وهو حماية اسرائيل وتأمينها ، ولكن الغريب والمؤلم حقا ان يكون بعض العرب شركاء في هذا التفكير رغم كل الماسي التي جرت في العراق وبعد احتلاله. في المقابل هناك من يدعو الى ضرب ايران وتدميرها بدعوى ان ذلك سيكون في صالح العرب وكان المنطقة يجب ان تعيش حالة دمار مستمرة. ان مسؤولية تغيير اي نظام تبقى مسؤولية أبناء البلد نفسه وان اي تغيير يأتي من الخارج او بقوات غازية دخيلة لن يكون الا بداية لحروب داخلية طاحنة لن يجن منها أبناء اي بلد سوى التدمير والقتل اليومي والعشوائي لأبناءه.

نقلا عن رأي اليوم