
أثناء تولي موريتانيا لرئاسة مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية 2004، أذكر بأنني وقفتُ على وثيقة من إحدى الإدارات في الأمانة العامة تُفيدُ بأنّ العالم يشهدُ قلقا حقيقيا، ظاهرا أو مستترا، من تزايد الوزن الحضاري للغة العربية. فهي لسان حوالي 300 مليون نسمة، بالإضافة إلى تأثيرها الدّيني والعقلي على أكثر من ألف مليون مسلم في العالم. وتنُصُّ الوثيقة كذلك على أنّ هذا القلق ازداد و تعمّق، بل تحوّل إلى فزع شديد منذ أنْ أعلن الكاتب الإسباني كاميلو جوزي سيلا [Camillo José Cela] -الحائز على جائزة "نوبل" في الآداب لعام 1989- عن تنبؤاته المستقبلية وتقديراته الاستشراقية حول مصير اللغات الإنسانية، فقال: "إنه نتيجة لثورة الاتصالات سوف تنسحب أغلب اللغات من التعامل الدولي وتتقلص محليا ولن يبقى من اللغات البشرية إلا أربع لغات قادرة على التواجد العالمي والتداول الإنساني، وهي الإنجليزية والإسبانية والعربية والصينية".
وقد أحدثت هذه التنبؤات عاصفة شديدة في دهاليز مراكز الدراسات و التخطيط للعولمة الثقافية..و خاصة في فرنسا التي تُعدُّ من أكثر الدول تخوفاً من تأثير العولمة على هويتها و ثقافتها. و لذلك، بادر البرلمان الفرنسي إلى إقرار قانونٍ خاص لحماية اللغة الفرنسية سنة 1994، ينصّ على حظر انعقاد المؤتمرات العلمية التي تتخذ الإنجليزية لغة للتداول على الأرض الفرنسية...و في نفس السياق، جاء قرار حكومة "مانويل فالس" بتدريس اللغة العربية في المدارس الفرنسية عام 2016 اعترافا بالواقع واستشرافا للمستقبل! أما في موريتانيا، فلا يختلف اثنان في أن اللغة الفرنسية، بدلا من أن تتراجع، أخذت منذ فترة تستعيد بقوة مواقع كانت قد خسرتها أو - على الأصحْ - كادت أنْ تخسرها في العشرية الأولى من القرن الجاري.
نقلا عن صفحة الكاتب