
على الرغم من الحياة الّتي أمضاها على وقع الأسلحة، برع حسين حبري -رجل الصحراء- في فنّ الصمت. فعندما كان في كامل سيطرته الكليّة، كانت خطاباته نادرة. ومنذ بداية منفاه قبل 25 عامًا في دكار، بات صمت الشيخ التشادي -البالغ من العمر 72 عامًا- يزن وزن الرصاص. يأمل ضحاياه في أن يتحدّث؛ حيث يدركون لماذا كسر الاستراتيجي البارع والقومي الشرس وزعيم الحرب والرئيس الّذي لا يرحم حياتهم بين عشيّة وضحاها وأحيانًا من أجل لا شيء.
أولئك المكسورون المعذّبون -أو أُسر 40 ألف شخص تمّ اغتيالهم أو قتلوا في الأسر، وفقًا للجنة تحقيق تشادية في عام 1992- كانوا حاضرين في حياته منذ تمرّده في جبال تيبستي في منتصف السنوات الـ 1970 وحتّى فراره إلى نجامينا يوم 1 ديسمبر 1990. وبعد 8 سنوات من دخوله إليها منتصرًا، طرد للمرّة الألف؛ بسبب التمرّد القادم من الشمال الّذي قاده واحد من المقرّبين السابقين منه، الرئيس الحالي إدريس ديبي.
يوم 20 يوليو في داكار لن يصبح بإمكان حسين حبري أن يتحدّث أمام الملأ مثل كلّ يوم منذ سنوات عديدة؛ إذ في هذا اليوم ستبدأ محاكمته في العاصمة السنغالية أمام الدوائر الاستثنائية الإفريقية؛ حيث سيحاكم لمدة ثلاثة أشهر على الأقلّ لارتكاب “جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب وجرائم تعذيب” خلال توليه رئاسة البلاد بين عامي 1982 و1990. وقال حسين حبري عبر محامييه إنّه سيخرس إذا ما أجبر على الخروج من زنزانته لمواجهة قضاته وبعض ضحاياه.
“محارب الصحراء”
ملّف المتّهم مشحونٌ وموثّقٌ وربّما يصعب الدفاع عنه، ولكن الرئيس السابق لم يحب قطّ التناقض، ناهيك عن تناقض القضاة؛ حيث أكّد جميع المقرّبين منه على إرادته وذكائه؛ فالرجل أصيل فايا لارجو والمنحدر من عائلة رعاة أغنام رصد من قبل قائد عسكري فرنسي أرسله في عام 1963 للدراسة في باريس وفي معهد الدراسات المتقدّمة في الخارج ومن ثمّ في معهد العلوم السياسية غذّى الشاب الإفريقي آنذاك تمرّده وهذّب ثقافته السياسية من خلال قراءة آثار فرانز فانون وتشي غيفارا وريمون آرون.
وعند عودته إلى بلاده في عام 1971 طبّق قانون السلاح على وجه الخصوص فاستقرّ في الشمال؛ حيث عمل على تشكيل جماعة مسلّحة في الكهوف البركانية في الجبال السوداء في تيبستي، على بعد 800 كم من نجامينا ومن هناك قام بتوغل حماسي في المشهدين السياسي والإعلام وحيث قام باحتجاز الرهينة الفرنسي والعالم في الأنثروبولوجيا فرنسوا كلوستر من أبريل 1974 إلى فبراير 1977 وهناك أعدم القائد الفرنسي بيير غالوبان الّذي كان مبعوثًا، وهناك أيضًا اكتشف أنّ الأمريكان يعتبرونه “مثالًا على محارب الصحراء”، المحارب والقائد العازم بشدّة على ممارسة السلطة بمفرده.
ظهرت هذه الرؤية منذ عام 1979؛ إذ لم يتأخر وزير الدفاع في حكومة ائتلاف وطني عابرة حسين حبري في الدخول في صراع مع زعيم آخر آنذاك، كوكوني عويدي، ولم يكن بين الزعيمين الطموحين المنحدرين من أصول اجتماعية مختلفة مجرّد حرب منبعها الغرور؛ بل كان بينهما اختلاف في تصوّر الدولة والتعبير عن السيادة الوطنية. ولكن، في هذه الفترة وبداية من عام 1974 كان جزءٌ من أراضي تشاد -شريط أوزو- محتلًّا من قبل ليبيا الّتي كانت تدعم كوكوني عويدي.
عنف غير مسبوق
في مارس 1980، حاول حسين حبري الانقلاب للمرّة الأولى على القصر الرئاسي وقصف جهاز ستالين في قوّاته المسلحة في الشمال جزءًا من العاصمة، ولكن اضطرّ لمغادرته في مواجهة آلاف الجنود الليبيين المرسلين كتعزيزات من طرابلس. وفي نوفمبر 1980، احتلّ الليبيون ثلثي البلاد، ورغم ذلك؛ لم يصمد كوكودني عويدي وأصدقاؤه الليبيون إلّا عام 1982، وسيطر 2000 مقاتل من القوّات المسلحة في الشمال بقيادة حبري على نجامينا بدعم مادي واستخباراتي من فرنسا ومن إدارة ريغان الّتي رأت في حسين حبري “رجلها” في الحرب الصليبية الّتي أطلقها الرئيس الأمريكي الجديد ضدّ معمر القذافي الّذي وصف بأنّه “الراعي الرئيس” للإرهاب الدولي.
خلال الحرب الباردة، أخذت هذه الاعتبارات الجيوسياسية الأسبقية على البقية، وقد كان للرئيس حبري بالتأكيد مشروع تنموي لبلاده ولكن سرعان ما أظهر العنف غير المسبوق والمفرط. وبعد فترة وجيزة من دخول نجامينا، أعدم المئات من أسرى الحرب؛ ومن ثمّ شمل إرهابه المعارضين السياسيين والجماعات العرقية الأخرى من الشمال الوثني أو المسيحي بالإضافة إلى المسلمين في الشمال وفي الوسط. وحيثما ارتفعت أصوات معارضة أو قامت حركات تمرّد مدعومة من ليبيا أم لا، حلّ العنف الهائل والعشوائي ولم ينج طفل أو امرأة من العقوبات الجماعية؛ حيث اقتصر النظام على قوميته -الغوراني- وحول عشيرة عنكازة على وجه الخصوص.
آنذاك، لم تقلق منه لا واشنطن ولا باريس أو غضّوا أبصارهم من أجل تسليحه بشكل أفضل، سرًّا أحيانًا، عن طريق مصر أو السودان أو من أجل نشر الجنود (العمليتان الفرنسيتان “مانتا” و”ابرفييه”) أو تكوين بوليسه السياسي السيئ (في الولايات المتحدة على وجه الخصوص) -إدارة التوثيق والأمن- المرتبط مباشرة بمؤسسة الرئاسة والمسؤول عن الكثير من الفظائع. وفي إطار الحركة نفسها، دعم الكثير من نظرائه الأفارقة -وعلى رأسهم زائير موبوتو سيسي سيكو- حربه ضدّ غزو القذافي.
بعد ذلك، أتى وقت التحويرات بين الحلفاء؛ إذ إنهاء اتّحاد الجمهوريات السوفيتية تدريجيًّا وعقل القذافي. وفي هذه المستعمرة الفرنسية القديمة، انتهت باريس بالتخليّ عن هذا الديكتاتور المقرّب جدًّا من الولايات المتّحدة؛ حيث لعبت باريس وليبيا بورقة إدريس ديبي وسيطر المستشار العسكري السابق لحسين حبري يوم 1 ديسمبر 1990 على نجامينا. حمل المستبد الأوراق المالية الّتي استولى عليها من خزينة الدولة وغادر نحو الكاميرون ومن ثمّ إلى السنغال؛ حيث عاش في منفاه الذهبي حتّى اصطاده ضحايا جنون العظمة القاتل الّذي كان يعاني منه والعدالة الدولية.
لمطالعة الأصل اضغط هنا