تختار الجماعات المسلحة الموقع الجغرافي بناء على امتدادات اجتماعية محلية وصلات إنسانية مثمرة. أولئك الذين يهتمون بالحرب التي تدور في مالي منذ 2012 يعرفون أن الجهاديون جاؤوا من الجزائر إلى مالي في أوائل العقد الماضي وكانوا مجرد حفنة معرضة للخطر. وكانت قاعدتهم الأولى في منطقة تمبكتو. وقد ازدهرت هذه الجماعات منذ ذلك الحين عسكريا وماليا إلى حد احتلال المقاطعات الثلاث الرئيسية في شمال مالي - كيدال وغاو وتمبكتو - خلال عام 2012.
التدخل العسكري الفرنسي أخرجهم من المراكز الحضرية، لكنهم انتشروا في المناطق الريفية بشكل أوسع من انتشارهم عام 2012. واليوم اكتسبت هذه الجماعات موطئ قدم في وسط مالي وتنشط في بوركينافاسو وفي النيجر في مسار مذهل من التوسع الجغرافي لأعمالهم العسكرية.
دعونا نبدأ ببعض المقدمات المنهجية. أولا الهجمات في بعض الأحيان بعيدة عن قواعدهم تماماً كما لا يقومون بالضرورة بأعمال عنف عندما يجدون ملاذًا. قد تكون هناك خلايا نائمة سرية في أماكن لم تشهد حوادث أمنية. هذه الخلايا من المستحيل وضعها على الخريطة. ثانياً "الوجود" لا يعني "السيطرة". بين الوجود السري والسيطرة الفعالة هناك سلسلة من العلاقات المتنوعة بين الحركة المسلحة والبيئة المادية والاجتماعية المحلية.
هناك نوعان من التفسيرات يسيطران على انتشار النشاط الجهادي المسلح في منطقة الساحل. واحد مهتم بتدفقات التجنيد، والآخر يركز على المتغيرات التكتيكية. وعادة ما يتم التعامل مع قضية الالتحاق بالجماعات من منظور التطرف فهو الذي يقود الأفراد للانضمام إلى الحركات والقيام بأعمال عنف. وهنا يتم التركيز على التصرفات الاجتماعية أو النفسية لهؤلاء الأفراد وعلى الاستراتيجيات التي تتبناها الجماعات المسلحة لتجنيدهم. والأبعاد الإقليمية والجماعية - وبالتالي السياسية على وجه التحديد - لهذه العمليات تتراجع بشكل عام إلى الخلفية.
الزاوية الأخرى لنهج الانتشار الجغرافي للانتفاضة المسلحة مألوفة لدى الجيش. إنه يمنح مكانة لطبوغرافيا مسرح الحرب. يذهب المتمردون إلى حيث من غير المحتمل أن يتعرضوا لهجوم من قبل قوات مكافحة الإرهاب في الجبال والمستنقعات أو الغابات الكثيفة. لكن البعد الجغرافي ليس كافيا لفهم تأسيس حركة مسلحة. توفر الجبال العديد من أماكن الاختباء لكن من الضروري تزويدها بالوقود والغذاء ومعرفة الممرات المحمية بين الملاجئ. أي اختيار الموقع يعني بالضرورة وجود دعم اجتماعي محلي، وصلات بشرية مفيدة من الناحية التشغيلية.
وبين المسارات الفردية للتطرف والخيارات التكتيكية هناك مساحة لم تحظ بالدراسة الكافية وهي المتعلقة بالتفاعل بين الحركات المسلحة وبيئتهم الاجتماعية المباشرة. إن الانضمام إلى الجماعات المسلحة أو التعاون معها هو أيضا نتاج مسارات جماعية. فلا توجد دراسة منهجية لأسباب دعم المجتمعات الساحلية في الساحل للجماعات الجهاية، ومع ذلك فإن هناك بعض الدراسات التي تمهد الطريق كما هو حال دراسة تور بنجامينسن وأبو بكر با التي تعزو سبب دعم المجتمعات الرعوية في وسط مالي للجهاديين إلى السعي من أجل الحصول على الأراضي وبسبب انعدام الثقة بالدولة، وأيضًا لتجاوز التسلسل الهرمي الصارم لمجتمعهم. وكشف مقال آخر عن منطقة تيلابيري بالنيجر كيف دخل الجهاد من نافذة النزاعات بين المجتمعات المحلية التي تغذيها عمليات سرقة الماشية. في أماكن أخرى كما هو الحال في جنوب غرب بوركينافاسو هناك جماعات إجرامية تنضم إلى صفوف الجهاديين.
على المستوى التكتيكي البحت تدرك الجيوش التكلفة الباهظة لنشر قوات مكافحة الإرهاب في مناطق كانت قد نجت سابقاً من العنف. وكلما كان النطاق الذي ستغطيه الجيوش النظامية أكبر ، زادت تكاليف مشروع مكافحة الإرهاب.
جيوش مجموعة الخمسة الساحل ليست جاهزة. وفرنسا عبر عملية "برخان" وقواتها الخاصة لديها القوة الإقليمية الفعالة الوحيدة وحققت انتصارات تكتيكية وقضت على القادة الجهاديين واحدا تلو الآخر. لكنها تتعرض أكثر فأكثر للاتهامات بالتدخل. توسيع نطاق ساحة المعركة هو أضمن طريقة للجهاديين لزعزعة استقرار عدوهم.
من الناحية السياسية يكمن "نجاح" الجهاديين في قدرتهم على استغلال المظالم الجماعية فهم يسلحون الانشقاقات المحلية القائمة التي تم التعبير عنها سابقاً بطريقة غير عنيفة أو صامتة. وغالبا ما يستخدمون الإكراه والترهيب. ولا يوجد مجتمع متآلف أو بدون مثيرات داخلية للانشقاقات، وعدم التخلي عن هذه المجتمعات مسؤولية أساسية تقع على عاتق دول المنطقة.
في المؤتمرات الدولية حول الأمن في منطقة الساحل والتي تمزج بين العسكريين والدبلوماسيين والمحللين هناك عدد قليل من الأحكام المتكررة مثل "أننا لن نكسب الحرب بدون دعم الشعب". بعض الجمل القليلة التي تتناقض بشدة مع الممارسة.
في الأشهر الأخيرة اتخذت مكافحة الإرهاب طرقا شديدة الخطورة تغطي المذابح ضد المدنيين مع وجود روابط غامضة مع الميليشيات المذنبة بارتكاب انتهاكات أو تغذية الحشود ضد مجتمعات بأكملها. وتوجد أمثلة كثيرة سواء كانت مالي أو بوركينافاسو أو نيجيريا في الآونة الأخيرة. هذه الممارسات هي التي يستمد منها الجهاديون الدعم المحلي. يظهر الجهاديون في الوقت الحاضر كعلماء اجتماع وسياسيين أفضل من ممثلي الدولة. وعدم الاهتمام بهذه الملاحظة يعرض للخطر بشكل كبير فرص قيام الدولة ببناء الشرعية المحلية.
ترجمة موقع الصحراء
المتابعة الأصل اضغط هنا











