ليس جديدا هذا الخطاب وإن ظهر اليوم بشحنة زائدة وتمت ترجمته بحملات مباشرة وأخرى غير مباشرة! إنه نتيجة تراكمات كثيرة، من الظلم، والاحتقان، والتمرد، وهددة للفتنة.. كلما أخذتها سِنةُُ تم قض مضجعها بجرح غائر يحِزُّ في النفوس، ويصير نكتة سوداءَ في القلب، وحرفا جاثما على اللسان!..
لا بدَّ للبركان أن ينفجر.. وإن تمهل في إرسال أشراطٍ جلية، كالشمس في رائعة النهار.. ولا بُدَّ للفتنة أن تجد منفذا يوما من الأيام، ولن يُخمِدَ شرارتها كلاما منمقا، ولا عاطفة زائفة.. وستجري في أوصال هذا المجتمع.. المجتمع الذي ظاهره متمسك، وباطنه مترهل.. لقد صار قاب قوسين أو أدنى من السقوط في الهاوية وذلك يعود لسبب وحيد وهو الظلم!
إذا كانت العنصريةُ لا دين لها ولا عرق، ولا منبت!.. فإن الظلمَ لادينَ له، ولا جهة، ولا عرقَ.. لأنه قناةُ العنصرية، ومنطلقها، ومنه تنبثق وإليه تعود!.
ولا شكَّ أن للظلم عواقبَ وخيمة! وهل رأيتم أبغض وأحقر من عنصرية تنخر جسم المجتمع لتجعلهُ أشلاءً مبعثرة.. كأنه ريشة في مهب العاصفة!.. وجدارا يريدُ أن ينقض أمام كل عثرة.. إن العنصرية هي وَقودُ الفتنة، كلَّما تسللت إلى قلب امرئ كلما ازداد لهيبها، " والفتنة أشد من القتل "، ولن تخمد نارُها مازالت عين تطرف.. وتاالله إنها لا تبقي ولا تذر!..
لقد باتت القلوبُ مشحونة فارغة إلا من التأويلِ والتفسير، الذي يصب في مصالح الأخوة!، وصارت مقتنعة بشيء واحد! هو الانتفاضة، وانتزاعِ بياض العين من سوادها، أو إزالة سوادها عن بياضها، "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".. ولا ناقة لزيد ولا عمرو في حرب الفتنة التي ستظل لعنة يتوارثها الأجيال.. كابرا عن صاغر..
لقد عاش هذا المجتمع حلاوة الأخوة في كل أطيافه، وتمايلت أغصانه المتلونة على نسيم الرحمة والمودة، سجية الدين الواحد، والمعتقد، والتوجه، والأصل.. لكنه ظلمَ وأظلم.. ومال وتمايل.. وحقق مبدأ القوة وغير وبدل..
وما أشد ظلمنا لأنفسنا حين يُعنى بالظلم غصنٌ واحد من أغصان شجرة مجتمع أصلها ثابت وفروعها في السماء.. لقد أظل الظلم الأعراش جميعَها، حتى كادت أوراق المودة تتساقط.. وإن كان الظلمُ متفاوتاً بطبيعة الحال.. لكنه شامل جامع..
أي منا لم يتذوق مرارته سما ناقعا.. من منا لم يعاينه على أخيه.. بل على ابن جنسه ممن يتنفس الوطنية عبقا في أحلك الظروف وأظلمها.. بسبب الظلم تفشت ألفاظ العنصرية الموحية بأن أمواج الغضب سئمت الجزر.. وهي تحن إلى مد سيطالُ خارطة هذا الوطن.. من شرقه إلى غربه.. ومن جنوبه إلى شماله..
فهذه الحكومات لا تعرف إلا امتهان العاطفة وسيلة لامتصاص دماء الشعب المسكين.. هذا الشعبُ الذي يُلدغ من نفس الجحر آلاف المرات.. لكنه يظل مُصرا على المواصلة دون أن يستشعر أن هناك من يتألم..
- إن ارتفاع الأسعار عنصرية أمام ضعفاء هذا الشعب.
- والأخذ بالواسطة معيارا عنصرية أمام ذوي الكفاءات في كل قطاع منه.
- وعدم توفير مقاعد في سوق العمل عنصرية أمام حملة الشهادات.
وكلما ضاقت الظروف المعيشية كلما اتسعت آفاق الفتنة ورحب بها كلُّ مظلوم..
أيها الشعب الكريم إن لك في غيرك عبرة.. وأيها المناضل من أجل حقه إن لك مسالكَ شتى بعيدة عن كل ما من شأنه إحياء النعرات، وإذكاء العصبيات، وإتراك الحبلَ على الغارب لكل من هبَّ ودب ليركب موجة غضبه هائما على وجهه.. يظلمُ القريب قبل البعيد..
لستُ ضد أخذ المظلومِ حقه.. وإنا معه جميعاً مؤازرون له حتى ينعم به.. ولكنني ضد من ينعق بألفاظٍ بذيئة يفرغُ شُحنة غضبه في التجاهل عن مخلفاتها.. فارتقوا يرحمكم الله واتقوا الله في الأبرياء..
قد لا ننضم للمسيرة ونحن أول من يقف في وجه الكراهية.. قد نظل خلف الستائر بعيدا عن التيار الإعلامي ولكننا ضد الخطاب المتطرف.. والكراهيةُ لعنة متى ما حلت بأرض أثلكتها، وأحالتها من نعيم إلى جحيم..
في النهاية تذكروا أن لا عنصرية فوق الظلم.











