لم يكن اختيار صاحب الفخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لرئاسة الاتحاد الإفريقي حدثا استثنائيا باعتباره نصرا لدبلوماسية "صفر أعداء" التي شكلت أحد أركان العلاقات الخارجية في السنوات الأربع المنصرمة.
ولم يكن نتاجا للتحول الاستراتيجي لموقع موريتانيا في ظل قيادته – الرصينة في غير تردد والحاسمة في غير تهور - من موقع دولة طرفية في المنظمات الدولية إلى مركز قرار، ومحور جمع الأضداد، ونقطة التقاء اتجاهات الآراء المتعاكسة!
كما أنه لم يكن نتيجة لاستحقاق روتيني أملاه الترتيب الأبجدي لأحرف الدول في القارة الملونةالمثقلة بأعباء ضعف الحكامة وعدم الاستقرار السياسي والخلافات البينية، بل والداخلية أحيانا؛ لكنه في الحقيقة كان أسلوب حكم، ونمط قيادة؛ اصطبغ به الوطن في سنوات أربع من حكم فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني رغم الصعاب الكونية والأخطار المحدقة حتى باتت موريتانيا الاستثناء المستقر والمنسجم الذي يؤكد القاعدة في شبه المنطقة.
صناعة الإجماع
لقد بدأ فخامة رئيس الجمهورية مأموريته الأولى بما بشر به من تخليق للحياة العامة في موريتانيا:
فأعاد للمؤسسات الدستورية اعتبارها، وسن التشاور الإيجابي مع كافة فرقاء السياسة في موريتانيا دون إقصاء ولا تحيز. ونزع المشاجب الحقوقية والاقتصادية بتبني القضايا الوطنية الكبرى هما شخصيا غير قابل للمزايدة والامتطاء؛ فكانت مكافحة الغبن وآثار الاسترقاق والتفاوت الطبقي أهم مرتكزات برنامجه الذي سخر له الموارد واستنهض له الهمم، فوجد الكل فيه ضالته حقيقة أو تقية خشية الوقوف في وجه الإجماع اللفظي والسكوتي الكاسح.
هذا الغيض من فيض الصفات القيادية الإجماعية؛ أدارت به موريتانيا تحت قيادته أزمات الإقليم المتفاقمة فلم تحاصر جارتها الجنوبية مالي حين قاطعها الأدنون رغم مبررات ذلك السياسية والقانونية، لكن مسحة الأخلاق رفضت التجويع وحصار الجار؛مما جعل موريتانيا محجة الفرقاء الماليين على اختلاف توجهاتهم باحثين عن الحلول وسداد الرأي.
وحين عاد التنافس الدولي المحتدم على خيرات القارة وتضاربت مصالح أقطابه الكبرى في بعض بلدان الإقليم –مما جر على بعضها تغييرا غير دستوري – لم يجد المتنافسون مدخلا للتسويات غير موريتانيا دولة وغير قائدها قائدا، كما لم يجد أطراف الصراع الداخلي في تلك البلدان متنفسا يثقون به غير صاحب الفخامة محمد ولد الشيخ الغزواني وذلك لما عرفواعنه خلال قيادته لمنظمة دول الساحل من عمق في التصور وصهر للآراء في حل وفاقيمكنه من تأجيل أثر تلك الخلافات زمنا وأطال عمر الانسجام رغم بذور الشقاق المزروعة قديما وحديثا.
الشمال المتوجس
لم تقتصر محورية الدور الريادي لموريتانيا في ظل قيادة صاحب الفخامة محمد ولد الشيخ الغزواني على منظمة دول الساحل؛ بل إن الحياد الإيجابي من القضية الصحراوية وتميز العلاقة مع الشقيقتين الجزائر والمغرب دون الارتهان لموقف منحاز لخيار أي منهما على حساب الأخرى، أحرى المصالح الاستراتيجية الوطنية جعل قيادة البلدين تحرصان على توليه رئاسة الإتحاد الإفريقي دون تردد.
النجاح الدولي أرضية للإجماع القاري
في حين كانت بلدان إفريقية تخرج من ( قانون النمو والفرص الاقتصادية في إفريقيا "آغوا") أعلنت الإدارة الأمريكية أن الرئيس جو بايدن قرر إعادة موريتانيا للاستفادة من القانون وذلك بناء على التقدم الذي حققته موريتانيا - منذ تولي فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني حكم البلاد في 2019 - في المجالات التي تم استبعادها من القانون على أساس التراجع فيها وأولها حقوق الإنسان، التي شهدت قفزة نوعية في التصور والتبني والممارسات؛ ومن المعروف أن قرار الإدارة الأمريكية هذا يخضع لمعايير التنقيط بعيدا عن المحبات السياسية، وقد زار صاحب الفخامة الولايات المتحدة الأمريكية رعاية للمصالح الاستراتيجية الوطنية والإفريقية في قمتي 2022 و2023.
بنفس مستوى الاستقلالية وحضور الهم الوطني والإفريقي كان صاحب الفخامة محمد ولد الشيخ الغزواني حاضرا بشخصه أو ممثلا برئيس وزرائه - حين تضج مواعيد أجندته - في القمم الروسية الإفريقية وهو ما انعكس إيجابا على حجم العلاقات العسكرية والاقتصادية ورفع حجم التبادل التجاري بين موريتانيا وروسيا الاتحادية.
ولم تخل المصالح الموريتانية الآسيوية من التطور في ظل حكم فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني؛ إذ أن العلاقات الاستراتيجية بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية وجمهورية الصين الشعبية الضاربة في أعماق التعاون ووجدان التاريخ تعتبر نموذجا يمكن القياس عليه في القارة الآسيوية.
أما العلاقات الأوربية الموريتانية فقد شهدت هي الأخرى تقدما في المجالات الحيوية؛ حيث تعددعوة حلف شمال الأطلسي موريتانيا وحدها من القارة الإفريقية والثانية من خارج الحلف للمشاركة في اجتماع حلف الناتو في مدريد يونيو 2022 تحولا استراتيجيا في علاقات الحلف العسكرية بموريتانيا ما بعد حكم فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني؛ هذا بالإضافة إلى الاهتمام المتزايد من أوروبا بموريتانيا وما تشكله من ملاذ قد يسهم في حلحلة أزمة الطاقة المتفاقمة أوروبيا، زيادة على اتفاقيات الصيد وغيرها مما أنعش الميزانيات الوطنية في السنوات الأربع الأخيرة حيث وصلت 1,1 مليار دولار وهو غير مسبوق في تاريخ البلد، رغم ركود اقتصادات أقوى وأخرى مشابهة.
سر صنعة الإجماع
حين تكون القيادة طبعا وبعد النظر سمة والروية والحسم سجية والرحمة والقوة ديدنا والفطنة والتغافل هواية والحق والعدل أساسا وملأ الفراغات وفتح المسارب منهجا؛ سيكون التصور عميقا والتخطيط واعيا والتنفيذ حازما والبناء متدرجا والحصاد شاملا.
إن إجماع من عبر عن رأيه من العارفين والمراقبين الوطنيين والإقليميين، بل والدوليين الذين جمعتهم بصاحب الفخامة محمد ولد الشيخ الغزواني ظروف عمل قبل توليه مقاليد الحكم في موريتانيا؛ يعتبرون أن نمط القيادة والتصدر الإقليمي والقاري لم يكونا مستغربين من شخص بعمق تربيته الروحية ودربته العسكرية وتجربته الواسعة وعطائه الثر؛ ولا غرابة في معرفة ذلك من أهل الاختصاص وأصحاب الفراسة الذين خبروا الصفات الأخلاقية والخلقية للقادة المميزين عبر تاريخ الأمم فكلنا يذكر رد الطموحة هند بنت عتبة رضي الله عنها على من بشرها أن ابنها معاوية بن أبي سفيان سيسود قومه فردت عليه بكبرياء وتقزيم لحجم طموحه ( ثكلته إن لم يسد العرب مطلقا).
طلب مشروع
إن النجاحات الداخلية في؛ وضع قطار الحكامة الرشيدة على سكة الجدية، وتحويل البلد إلى ورشة تخطيط وبناء، والتأسيس الواعي لدولة المواطنة وسيادة القانون، ودفع عجلة الاقتصاد بتنويع موارده وتطويرها وحمايتها، وتأمين البلاد وتجنيبها مزالق الانحرافات الفكرية والطائفية والشرائحية المنهكة والهدامة.
والنجاحات الخارجية؛ في جلب الاستثمارات، وكسب ثقة الشركاء الاقتصاديين والمانحين والممولين، والتصدر - غير مدفوع الثمن – الإقليمي والقاري.
أسباب وجيهة للإجماع على مطالبة الموريتانيين من كافة الألوان والمشارب الفكرية والسياسية بترشح فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لمأمورية ثانية يواصل فيها البناء بعد التأسيس الجيد والعطاء بعد نضج الثمرة وإكمال النواقص الجوهرية؛ في تغيير العقليات، وأركان البناء الأساسية.
بل إن مصالح القارة السمراء في إطفاء الحرائق، وتجاوز العقبات السياسية والاقتصادية. وإعادة اللحمة بين بلدانها بعد إصلاح الشروخ الداخلية يجعلها معنية مثل الموريتانيين بالمطالبة بمأمورية ثانية لصاحب الفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية محمد ولد الشيخ الغزواني
سيدي عبد الله محمد الأمين السالك
مكلف بمهمة في ديوان الوزير الأول