في عام 2020 خرجت المملكة المتحدة رسميا من الاتحاد الأوروبي فيما عُرف بالبريكست. وفي عام 2025 عادت للتوقيع على اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، تضمن إجراءات تتعلق بالدفاع والتجارة والأغذية والرقابة على الحدود. وقد عدّهُ الكثير من المراقبين، أكبر عملية ضبط للعلاقات بين الطرفين، في حين وصفه رئيس الوزراء البريطاني بأنه مُنصف. أليست هذه مفارقة كبرى، أن تخرج بريطانيا من باب الاتحاد الأوروبي لتدخل إليه من النافذة؟ وما الدوافع التي أنجزت هذا الاتفاق؟
لا شك أن كلا الطرفين البريطاني والأوروبي باتا يشعران بثقل المسؤولية المُلقاة على عاتقهما في موضوعي الأمن والاقتصاد، بعد أن خاب ظنهما في الرهان على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هاتين النقطتين بالتحديد. فالعامل الأمني والدفاعي كان أهم مُحرّك لصناعة هذا الاتفاق بالنسبة لأوروبا، التي صُدمت من الموقف الأمريكي في مسألة الحرب في أوكرانيا، ما اعتبروه تراجعا أمريكيا في الالتزام بالأمن الأوروبي.
على الجانب الآخر فشل البريطانيون في رهانهم على إقامة علاقات تجارية استراتيجية مع أمريكا، حيث سبق أن وعد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون البريطانيين، باتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة، لكنها لم تتحقق لا في الولاية الأولى لترامب ولا في الولاية الثانية أيضا، وما حصل مؤخرا من توقيع على اتفاق تجاري بين البلدين، لا يعدو أن يكون مجرد إطار اتفاق أملا في الوصول إلى اتفاقية تجارية.
ومع ذلك تبقى دوافع عودة المملكة المتحدة إلى أوروبا، أكثر بكثير من دوافع عودة الأخيرة إلى بريطانيا. فلو نظرنا إلى استطلاعات الرأي سنجد أن المزاج الشعبي البريطاني، ينحو بشكل متصاعد نحو عودة بريطانيا إلى أوروبا، والسبب الكامن وراء هذا التغير هو هبوط المستوى المعيشي للمواطن البريطاني، حيث تعرض الاقتصاد الوطني إلى عثرات كبيرة، منها جائحة كورونا، وحرب أوكرانيا، وقبل هذا وذاك خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في العملية التي سُميّت بريكست. يضاف إلى هذه العوامل، الآثار الجانبية التي تعرض لها الاقتصاد، نتيجة الحرب الجمركية بين الصين والولايات المتحدة، التي تسببت بتعطيل سلاسل التوريد الاقتصادي إلى المملكة المتحدة. وعليه تسعى بريطانيا من خلال الاتفاق الأخير، إلى رفع المعوقات أمام تصدير منتجاتها إلى الأسواق الأوروبية، والتي تُعتبر من أهم الأسواق بالنسبة لها. كما أن الاتفاق الأخير قد يتيح لها الاستفادة من الصندوق الأوروبي للإنفاق العسكري، الذي تم إنشاؤه حديثا، حيث تأمل في الحصول على عقود لشركات السلاح البريطانية في إطار عملية إعادة التسليح الأوروبي. لكن الأوروبيين دائما ما كانوا ينظرون بعين الخشية إلى علاقة بريطانيا معهم، لأن تجاربهم معها، أكدت أن البريطانيين كانوا دائما يريدون الكسب الفردي من هذه العلاقة، وليس الربح المتبادل. وهم غالبا يركزون على ما يقدمونه للاتحاد الأوروبي، لا ما يأخذون منه. كما أنهم لعبوا دور حجر عثرة في طريق توحيد الكثير من السياسات الأوروبية، سواء في مجالات الدفاع أو الاقتصاد، أو حتى في تنسيق المواقف من بعض القضايا، وعلى الرغم من أن بريطانيا كانت إلى جانب ألمانيا وفرنسا تقود الاتحاد الأوروبي، قبل البريكست، إلا أن الأوروبيين كانوا يعرفون تماما أن بريطانيا كانت تحاول التفرد إلى حد ما، في رسم السياسات الخارجية والدفاعية للاتحاد الأوروبي، والسبب في ذلك هو رغبتها بأن تكون مواقف الاتحاد أقرب إلى الموقف الأمريكي، انطلاقا من العلاقة القوية بينها وبين واشنطن.
وإذا كانت العلاقة الخاصة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، نابعة من إدراك الأولى لمكانتها الجغرافية أولا، كونها جزيرة، ولا بد أن تقترب من أمريكا، وثانيا لأن ثقافتها ولغتها وامتدادها التاريخي مرتبط بالولايات المتحدة، لكن سوقها الحقيقي الأكبر والأقرب هو أوروبا. فصادراتها السنوية إلى الاتحاد الأوروبي تصل إلى 400 مليار جنيه إسترليني، عدا عن صادراتها الأخرى من الخدمات. في حين تبلغ صادراتها السنوية إلى الولايات المتحدة بحدود 200 مليار جنيه إسترليني، وهذا لا يصل إلى نصف ما تُصدّره بريطانيا من السلع إلى أوروبا. وعليه أدركت بريطانيا أنه رغم علاقاتها المتميزة والخاصة مع الولايات المتحدة، إلا أن عوامل ارتباطها بالاتحاد الأوروبي أكبر من أية علاقة أخرى. ولذلك تراجع العديد ممن كانوا عرابي البريكست عن مواقفهم، واعترفوا بفشل عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي بعد النتائج المُخيبة لها. كما أن سكان المناطق التي صوتت على الخروج يقولون اليوم إن الهجرة ما زالت خارج السيطرة، وإن ما سُمّي استرجاع السيادة لم يتم بشكل كامل. كما أن الكُلف الاقتصادية للبريكست كانت فقدان 4% من النمو الاقتصادي البريطاني، وتوقف العديد من الشركات المتوسطة والصغيرة عن التصدير، وتراجع حجم التجارة مع أوروبا بنسبة 15%.
يبدو أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض وتخليه عمليا عن أوروبا، كانا جرس إنذار لكل الأوروبيين بمن فيهم البريطانيون، وبذلك كان دافعا قويا لحزب العمال البريطاني الحاكم لإعادة تقييم العلاقة مع أوروبا، خاصة أن التهديدات الروسية العلنية من قبل الرئيس بوتين والزعماء الروس الآخرين، كانت موجّهة بشكل كبير إلى بريطانيا. كما أن لندن تلعب دورا كبيرا في النظام الدفاعي الأوروبي، والأوروبيون يشعرون بذلك، كونها عضوا دائما في مجلس الأمن، وفي الوقت نفسه هي قوة نووية. بالتالي الردع النووي الأوروبي يُعتبر مسألة حاسمة، خاصة في ظل الشكوك التي تدور حول الناتو، وحول الدور المُفترض أن تلعبه الولايات المتحدة، في حال وجود تحديات أمنية حقيقية.
إن بحث أوروبا عن مكان لها في الاستقطاب العالمي، في إطار تشكّل النظام الدولي الجديد، بين الصين وروسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، هو دافع آخر للتقارب الأخير بين بريطانيا وأوروبا، فالتغيرات التي حدثت في النظام الدولي هي عامل حاسم وراء التغيير الذي يحصل في السياسات، فأوروبا اليوم باتت تشعر بالضعف أمام التهديدات الروسية المستمرة، منذ بداية الحرب في أوكرانيا إلى اليوم. كما أنها يمكن أن تتعرض لموقف خطير جدا، لو حصل صدام روسي مع دول البلطيق مثلا، وهو احتمال وارد، لذا فأوروبا تسعى جاهدة لإيجاد نوع من تكافؤ الردع، وهذه مسألة حاسمة في النظام الدولي الجديد. وبالنسبة لأوروبا فتعاونها مع بريطانيا يخدم هذا المسعى.
كاتب عراقي
نقلا عن القدس العربي











