النكبة الفلسطينية.. طمس هوية ومقاومة شعبية

ثلاثاء, 2017-05-16 11:13

في السياسة الإسرائيلية السائدة، كتب التاريخ، الأدب والخيال الجمعي، لم تحدث النكبة الفلسطينية أبدًا. إذا تم الاعتراف بألم ومعاناة شعب ما، فهذا في حد ذاته، وبطبيعة الحال، اعتراف بالشعب نفسه. وهذا ما لا تستطيع إسرائيل فعله.

في الواقع، فالإعلان المشين الذي أدلت به رئيس الوزراء الإسرائيلي السابقة، جولدا مائير – بأن الفلسطينيين “لم يكونوا موجودين ولا يوجد شيء مما يُدعى شعب فلسطيني” – كان أخطر بكثير من التعليق العنصري الذي فهمه الكثيرون باعتباره مبررًا. جاء هذا التصريح بعد عامين من النكسة التي هُزم العرب فيها عام 1967، وهيمنة إسرائيل العسكرية على كل فلسطين التاريخية.

كلما زادت الأراضي التي استولت عليها إسرائيل بطرق غير مشروعة، وكلما زاد التطهير العرقي للفلسطينيين من وطن أجدادهم، كلما شعر القادة الإسرائيليون بالحاجة الملحة لمحو الفلسطينيين من سجلات التاريخ كشعب له هوية، ثقافة واستحقاق للوطن.

إذا “تواجد” الفلسطينيون في مخيلة إسرائيل، فلا يمكن أن يكون هناك أي مبرر أخلاقي لبقائهم. لن يكون هناك أي رواية ​​إسرائيلية يمكن أن تكون قوية بما فيه الكفاية للابتهاج عند ولادة “المعجزة” الإسرائيلية التي “جعلت الصحراء تُزهر”. تتطلب الولادة الملطخة بالدماء تدمير دولة بأكملها، مع من فيها من بشر، تاريخ فريد، لغة، ثقافة وذاكرة جمعية. لذلك كان القضاء على الفلسطينيين حتميًا، لإخماد أي إحساس ممكن بالذنب الإسرائيلي والعار والمسؤولية القانونية والأخلاقية لما أصاب للملايين ممن انتُزعت ملكيتهم.

في غياب المشكلة، فلا حاجة للالتزام بالإصلاح أو حتى الاهتمام بالأمر. هكذا، فإن إنكار الشعب الفلسطيني ودولته هو الصياغة الفكرية الوحيدة التي من شأنها أن تسمح لإسرائيل دعم وتعزيز أساطيرها الوطنية.

ليس مستغربًا أن يكون المنطق الإسرائيلي مُقنعًا بما فيه الكفاية لهؤلاء، الذين تقودهم الضرورة السياسية والحماس الديني، أو حتى ببساطة الوهم الذاتي، ولأولئك الذين شعروا بالحاجة أيضًا للاحتفال بالـ “معجزة” الإسرائيلية. كان شعارهم الجديد، الذي كرره أحد أكثر السياسيين الأمريكيين انتهازية وجهلًا، نيوت جينجريتش، قبل بضع سنوات، بسيطًا: “الفلسطينيون شعب مفتعل”.

رغم محاولة تحدي الرواية الإسرائيلي في حركة وليدة في إسرائيل، فالفلسطينيون في الأدب الإسرائيلي هم مجرد “ظل صامت”، كما قال إلياس خوري. الظل هو انعكاس لشيء حقيقي، لكن غير ملموس. وهو صامت بحيث يمكن التحدث إليه دون أن يكون قادرًا على الرد. “الظل” الفلسطيني موجود وغير موجود في نفس الوقت.

بعد ما يقرب من سبعين سنة من نفي الفلسطينيين من ديارهم عندما أنشئت إسرائيل في أراضيهم، ورغم نمو أعدادهم لملايين، إلا أنهم لا يزالون ظلالًا بكماء، ككائنات عشوائية خالف الجدار. مجرد جموع متناثرة احتشدت بوجوههم الشاحبة عند نقاط التفتيش العسكرية، هم مجرد أرقام وليسوا كائنات حقيقية قابعة في السجون الإسرائيلية.

في حين أن المثل الفكري الزائف لجينجريتش والمنشورات السياسية لجولدا مائير لا زالا يهيمنان على معظم المنصات المعنية بفلسطين، ويستمران في تنفيس الكراهية والتشوهات التاريخية، إلا أنهما يحققان تقدمًا ضئيلًا. نضال الفلسطينيين من أجل حقوقهم على مر السنين أحياهم على الدوام كدولة، رغم كل المحاولات الإسرائيلية لتجاوز روايتهم الوطنية. كما أعتقد ديكارت “أنا أفكر إذن أنا موجود”، وهو المنطق الذي ثبتت صحته، لا يتوقف الوجود الفلسطيني فقط على مجرد الفكر، ولكن أيضًا العمل، أي المقاومة.

المقاومة هنا ليست إشارة عادية للقتال في بعض الساحات المحتدمة، لكنها أيضًا المقاومة ضد زوال أمة واحدة ذات ثقافة متجذرة ومتطورة حافظت على هويتها، رغم الحروب المتكررة والغزوات والمغامرات الاستعمارية والاحتلال العسكري. في حين أن الثقافة الفلسطينية ترتبط ارتباطًا جوهريًا بالإسلام والمسيحية والفضاء الثقافي العربي الأوسع، فهذه الروابط تُكمل التجربة الفلسطينية الفذة ولا تحل محلها.

الخبر السار أن إسرائيل فشلت حتى الآن. لم تفشل إسرائيل في محو الهوية الفلسطينية أو حتى تخريبها، لكنها تحاول الآن أيضًا تعديل الرواية الفلسطيني تمامًا. أصبحت مصطلحات مثل “النكبة اليهودية” منتشرة في كل مكان، في إشارة إلى التطهير العرقي المزعوم لليهود العرب من بلادهم خلال حرب 1948.

في حين أن محاولة إعادة كتابة التاريخ خادعة في أحسن الأحوال، إلا أنها تشير إلى علامات الهزيمة المتزايدة للخطاب الإسرائيلي. ثبت أن مصطلح “النكبة” هو إشارة قوية جدًا إلى أصول إسرائيل، التي أُنشئت مع نية الإبادة الجماعية والاستهتار التام بأمة أخرى.

رغم ذلك، يجب أن تكون النكبة في عملية إعادة التقييم مستمرة، بل وإعادة تعريفها إذا لزم الأمر. ليست النكبة مجرد مسألة تاريخية، بل هي واقع مستمر أثر على عدة أجيال من الفلسطينيين. فهي ليست “حدثًا” يعين سياقًا وتحليلًا سياسيين محددين، لكنها الآن حالة ذهنية، الشعب الفلسطيني أقوى حلقاتها، وماضيه وحاضره ومستقبله.

كلا، لا ينبغي يوصم الفلسطينيون بالنكبة دومًا. بمجرد تحقيق العدالة والحرية، يجب أن تُذكر النكبة بمعنى مختلف، وهو دور مناسب في الذاكرة الجماعية للأمة العربية الفلسطينية. يقول فرانز فانون: “بعد انتهاء الصراع. ليس فقط زوال الاستعمار، بل أيضًا زوال المستعمرين”. لكن في الوقت الراهن، يجب أن تعيش النكبة، ليس فقط اعترافًا بوحشية الاستعمار، بل أيضًا بفخر وكرامة ومقاومة أهل أصحاب الأرض.

 

المصدر: ميدل إيست مونيتور