قمع الحريات واعتقال الصحفيين إلى أين؟

جمعة, 2017-08-11 12:05
نادية عصام حرحش

أعرف أن كلامي قد يبدو بيزنطيا أو ربما لأكون أكثر تواضعا: ساذجا، اذا ما بدأت بطرح هذا السؤال : كيف يمكن ان نعيش في زمن يتم تداول المعلومات فيه خلال ثوان معدودة وبأسرع من لمح البصر من أدنى بقاع الأرض الى أقصاها , وتعبر المحيطات وتجول القارات , ومع هذا يتم التعامل من قبل أصحاب السلطة معنا وكأننا في عصر الحمام الزاجل ؟

افهم اننا شعب لا يزال يقبع تحت الاحتلال , ولم نستطع لهذه اللحظة التعامل مع مفاهيم الحريات بطريقة موزونة . وأفهم اننا كشعوب عربية لا نزال نعاني تحت أنظمة بوليسية النهج ,تبني وجودها وتحافظ على استمرارها من خلال الترهيب والقمع . ولكن لا يمكن الا ينتبه أي رشيد في هذه الأنظمة بأن الزمن التي تقتصر فيه المعلومة على جهة واحدة قد ولى ؟ ألا يعي أولئك اننا نعيش في وقت نتطوع فيه جميعا بنقل المعلومات وبثها عبر وسائل التواصل المختلفة بلا توجس او تحسس او اهتمام ؟ ألا يفهم أولئك ان المنظومات الأمنية في العالم المتحضر قد غيرت الياتها ولم تعد بحاجة للجواسيس والعملاء والدسائس والترهيب لاحتياجاتهم الاستخبارية؟ وانه لم يعد هناك مصدر واحد متحكم بما يراد ان يعرف او يقال ؟

قبل شهر أو يزيد  تم اعتقال الصحفي جهاد بركات لأنه قام بتصوير موكب رئيس الوزراء على احد الحواجز. وتم إغلاق المواقع الالكترونية التابعة لحماس ودحلان . ثم بدأ اختراع قوانين تقيد الحريات بشبكات التواصل الاجتماعي. وبين الحين والآخر نقف امام قضايا تقوم بها النيابة العامة بتنفيذ دور الحاكم والقاضي متعدية دورها بتنفيذ القرارات القضائية . واليوم تم اعتقال خمس صحافيين بتهمة تسريب معلومات لجهات معادية.

وليس اقسى علينا كشعب من ان تكون الجهات المعادية المقصودة هي أبناء الوطن الواحد في الجهة الأخرى من شرخ الوطن .

في وقت نسمع من جديد تهافتات للمصالحة وانهاء الانقسام لنجد طرفي الخصام في حرب على الأرض تطال قمع الشعب الراقد باستكانة بانتظار فرج في مصالحة وانهاء لانقسام كسر ظهر وطن قطع أوصاله الاحتلال .

ولا تقف القضية هنا ولن تتوقف . ونعلن كالعادة شجب واستنكار وتضرب السلطة كل ما يصدر منا من أصوات وتنثره في الهواء. وهناك فيما بين هذه الالهاءات المريبة بالفعل وقائع وحقائق علينا، أهمها طبعا الاحتلال الذي يحيط بنا شعبا وسلطة بانقساماتها لا يفرق بين شقي الانقسام الا بما تهواه مصالحه . وهناك معضلة الوضعية القائمة للسلطة في غياب لانتخابات والخوف من قدوم ساعة الحسم التي سيحتاج فيها الشعب الفلسطيني الى رئيس سلطة جديد. وعليه نجد انفسنا امام ملهاة جديدة تسمى انعقاد المجلس الوطني لترتيب البيت الفلسطيني !

ويبدو ان أصحاب السلطة اعجبتهم فكرة اضمحلال السلطة الى منسق امن لشؤون الاحتلال  وتسيير اعمال الشعب اليومية في سلطة فتحاوية تقتصر على الموالين لفرع الرئيس من فتح , وبالتالي تنتهي منظمة التحرير الى مجلس وطني “بمن حضر”.

ليس صدفة عمليات الالهاء هذه كمن ينثر التراب على الوجه . فبالكاد نفتح عيوننا لنبصر الطريق امامنا .  لتبقى وسائل القمع التي يتم استخدامها لتكميم الافواه وضحد حرية التعبير هي المهيمن على الحالة العامة للشعب. فترى الفرد منا يقمع نفسه ذاتيا لكي لا يتعرض لمساءلة او يجد نفسه في السجن ليرد اتهامات لا طائل قانوني لها الا يد الريبة .

وقد لا تعي السلطة حتى هذه اللحظة من ان هذا الشعب لا يمكن لجمه كثيرا . فنحن شعب لم ينجح الاحتلال بكل وسائل قمعه وتنكيله من انهائنا . نحن شعب يتعطش للحرية واستقبالنا للسلطة كان من اجل هذا وليس من اجل ان يفرض علينا نظاما بوليسيا استخباراتيا ليزيد من قيد لا نزال نحاول كسره .

نحن شعب عاش على الاعتقالات والتنكيل ولا تزال قضية الاسرى في سجون الاحتلال من ابرز قضاياه العالقة . فكيف تكون سلطتنا هي من ينكل بنا من اجل صوتنا المنادي من اجل الحرية ؟

كيف نسعى لتحرر من الاحتلال ولا نقوى على ان نرفع اصواتنا من اجل قضايانا البديهية؟

كيف لا تفكر هذه السلطة ان بآخر هذا النفق المظلم لا يزال الاحتلال متربصا ؟

هل علينا الاستسلام لإملاءات مصالح بعض المنتفعين ونصمت ؟ هل علينا قسم الولاء لحزب او فصيل دون الاخر وليحرق الوطن ؟

نقلا عن رأي اليوم