انتهاك حقوق الإنسان لا يحمي الحكم

اثنين, 2017-09-11 08:44
سعيد الشهابي

برغم تراجع منظومة حقوق الإنسان في السجال السياسي الدولي، ما تزال الدول تخشى الاتهام بانتهاك حقوق مواطنيها، نظرا لما يمثله ذلك الاتهام من افتراضات ضمنية بضعف النظام السياسي وديكتاتوريته وافتقاده الأخلاق والقيم الإنسانية الأساسية. قبل ربع قرن تقريبا تضافرت جهود النشطاء في هذا المجال ونجحت في تحويل القضية إلى شعار دولي وربطه بقيم التقدم والاستقرار والديمقراطية. 
وبلغت أهمية تلك الحقوق في السياسة الدولية ذروتها بعقد قمة حقوق الإنسان في فيينا في العام 1993. وكان من نتائج تلك القمة أمران: الأول اعتبار تلك الحقوق عابرة للحدود، بمعنى أن للدول التعاطي مع انتهاكات تلك الحقوق في أية دولة، وأن ذلك لا يعني التدخل في الشؤون الداخلية لها، والثاني إقرار مبدأ وجوب حماية نشطاء حقوق الإنسان اينما كانوا، وأن استهدافهم من قبل الأنظمة القمعية يعتبر جرما. هذان المبدآن اعتبرا تطورا نوعيا في مجال النضال من أجل الحرية والديمقراطية. فأسوأ ما يخشاه النشطاء تعرضهم للقمع خصوصا التعذيب. ولكن تراجع الغرب سياسيا وأمنيا خصوصا بعد حوادث 11 سبتمبر/ايلول الإرهابية دفعه للتراجع عن حماية تلك المبادئ أو حتى الالتزام بها. فسرعان ما بدأت الولايات المتحدة نفسها بممارسة التعذيب مع عناصر «القاعدة»، واعترف الرئيس الأسبق، جورج بوش، بأنه أقر ممارسة «الإيهام بالغرق». مع ذلك ما تزال منظومة حقوق الإنسان تحظى بقدر من الاهتمام على الصعيد الدولي، وما تزال جلسات مجلس حقوق الإنسان في جنيف تعقد بانتظام وإن كانت قد تحولت إلى مجلس للخطابة يفتقد القدرة على تنفيذ القرارات التي يقرها أعضاؤه. ولعل الجانب الذي لا يقل أهمية تراجع مصداقية المجلس بعد أن أصبحت دول معروفة بانتهاكاتها الفظيعة لتلك الحقوق أعضاء مؤثرين في سياساته وقراراته. فالسعودية والبحرين المعروفتان بانتهاكاتهما الفظيعة لحقوق مواطنيهما أصبحتا قادرتين على التأثير على قراراته بشراء أصوات بعض الدول الـ 47 الأعضاء بذلك المجلس.
في الأسبوع الماضي أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا مهما حول أوضاع حقوق الإنسان في البحرين بعنوان: «لا أحد يستطيع حمايتكم: عام من قمع المعارضة في البحرين». تعرض التقرير لتردي أوضاع تلك الحقوق خلال اثني عشر شهرا بعد يونيو/حزيران 2016. ويعتبر التقرير الذي حظي باهتمام إعلامي واسع، وثيقة دامغة لحكومة البحرين التي تواجه احتجاجات سياسية متواصلة منذ اندلاع ثورة 14 فبراير/شباط في العام 2011. فهو يوثق بالأسماء والأرقام حالات كثيرة من الاعتقال التعسفي والتعذيب وسحب الجنسية والاضطهاد على خلفيات سياسية ومذهبية، واستهداف نشطاء حقوق الإنسان ومصادرة الحريات وغلق أهم جمعيتين سياسيتين. 
وبرغم أن منظمات عديدة أشارت إلى الدورين الأمريكي والبريطاني خصوصا في مجال الدفاع عن حكومة البحرين في المحافل الدولية خصوصا كمجلس حقوق الإنسان، إلا أنها المرة الأولى التي يوجه الانتقاد فيها بشكل واضح ومباشر للبلدين القادرين على التأثير على سياسات حكومة ذلك البلد الخليجي الصغير. وبرغم شمول التقرير مساحات واسعة من مجالات الاهتمام والقلق إلا أن نشطاء حقوق الإنسان البحرانيين يقولون إن الانتهاكات أوسع كثيرا مما جاء في التقرير. فمثلا يذكر التقرير أن عدد الذين استطاعت المنظمة توثيق اعتقالهم في الفترة المذكورة بلغ 169 شخصا، بينما العدد الحقيقي يتجاوز 400 شخص. وبينما ذكر التقرير أن عدد الذين أسقطت جنسيتهم اكثر من 80 شخصا فإن مجموع من أسقطت جنسيتهم تجاوز 420 شخصا.
مشكلة التقرير أنه حصر فترة تغطيته بعام واحد، بينما كان الأجدر مراجعة ملف حقوق الإنسان منذ بدء الاحتجاجات في شهر فبراير/شباط 2011. هذا الحصر ساهم في التخفيف من حجم الكارثة الإنسانية التي تعصف بالبحرين والتي بدأت منذ اجتياح القوات السعودية أراضي البحرين في منتصف مارس/آذار 2011. ذلك الاجتياح وفر دعما عسكريا وأمنيا ونفسيا لحكومة كانت تترنح أمام الاحتجاجات السلمية الواسعة التي اجتاحت البلاد على مدى شهر كامل. هذا الحصر يشبه ما فعلته «اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق» التي ترأسها شريف بسيوني في ذلك العام، والتي حصرت عملها بشهرين فحسب ما بين 14 فبراير/شباط و 15 نيسان/ابريل 2011. فظهر وكأن القمع كان محصورا بتلك الفترة، بينما كان إظهار الحقيقة يقتضي توسيع التحقيق ليشمل الحقبة التي سبقت اندلاع الاحتجاجات والسنوات الست اللاحقة. وتكفي الإشارة إلى أن ما حدث في شهري أغسطس/آب وسبتمبر/ايلول 2010 أي قبل ستة شهور من ثورة 14 فبراير/شباط من القمع لا يقل شراسة عما حدث لاحقا. يومها لم تكن هناك ثورة أو احتجاجات وكان العمل المعارض محصورا بتصريحات وندوات محدودة. ولذلك جاء تقرير بسيوني مبتورا لأنه تجاهل حقبة سوداء طويلة امتدت بضع سنوات. ويمكن القول إن كلا من تقرير بسيوني وتقرير منظمة العفو الدولية الأخير يقدمان «عينة» تاريخية من سياسات القمع التي ينهجها نظام الحكم في البحرين. ثمة فرق شاسع بين الحفاظ على الأمن واضطهاد الشعب. فالاضطهاد والتنكيل والقمع وسائل لسلب الأمن من الموطنين، والأمن أهم ما يحتاجه الإنسان أيا كانت بلده. إن حقوق الاحتجاج والتجمع والتعبير يجب أن تكون مكفولة لكل مواطن، ولا يحق لأحد منعه من التمتع بها. وحين يستغل الحاكم سلطات الحكم التي لديه ليفتك بمعارضيه ويخنق أصواتهم ويحرمهم من ممارسة حقهم الطبيعي في التعبير والتجمع والانتماء، فإنه يتحول إلى ديكتاتور شرس يصادر الحريات ويعامل المواطنين كقطيع من البهائم التي لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا. في عالم تكتنفه التوجهات الفكرية والايديولوجية المختلفة، فإن الثراء الفكري والسياسي والثقافي يقتضي السماح بكل ذلك وفتح الفضاءات التي تتيح سجالا متحضرا للجميع، وتمنع محاصرة الفكر أو احتكار الموقف أو استغلال السلطة للقمع والاضطهاد.
حكومة البحرين كانت قادرة على تفادي ما حدث خلال الثمانين شهرا الأخيرة. كان بامكان ملكها قبل خمسة عشر عاما أن يكسب ثقة المواطنين بالاستماع لشكاواهم ومطالبهم خصوصا إعادة العمل بالدستور التعاقدي الذي توافق الشعب والعائلة الحاكمة بشأنه في 1973، ولكنه لم يفعل ذلك واكتفى بالوعود الفارغة التي عمقت مشاعر التمرد لدى المواطنين خصوصا مع تردي الأوضاع الاقتصادية من جهة وهيمنة «الشقيقة الكبرى» على البلاد بتمويل حكامها وإرسال القوات المسلحة عبر الجسر الذي يربط بين البلدين لقمع ثورة شعبها. إنها أخطاء متراكمة أدت إلى قطيعة كاملة بين المواطنين وجهاز الحكم، ودفعت السلطات لممارسات بشعة أدت إلى موت البعض تحت مباضع الجلادين أو بالرصاص الحي في الشوارع أو بالاستعانة بالقوات الأجنبية للتغلب على شعب البحرين. كما دفعتها للهروب إلى الامام بالتحول إلى ذيل لـ «الشقيقة الكبرى»، فتورطت في العدوان على اليمن الذي أصبح يمثل أزمة حقيقية للسعودية والإمارات على وجه الخصوص. وانساقت مع الرغبة الإماراتية والسعودية باستهداف دولة قطر التي كانت الوحيدة من بين دول مجلس التعاون التي سعت للتوسط لحل الأزمة فور اندلاعها في 2011. ويؤكد تقرير منظمة العفو الدولية فشلا سياسيا مروعا ومدعوما من جهات أجنبية خاطبتها المنظمة بالتوقف عن دعم نظام غير قادر على الاحتفاظ بسيادته الوطنية أو توفير المال والوظيفة والسكن للمواطنين العاديين. التقرير وثيقة تاريخية تدين حكومة البحرين وداعميها في الرياض وواشنطن ولندن، ويؤكد أن القمع لا يحل الأزمات، وأن النظام السياسي المستقر لا يقمع شعبه ولا يتورط بجرائم ضد الإنسانية.

نقلا عن القدس العربي