عناق الفقه والتاريخ (قراءة في كتاب مجموع النوازل)

ثلاثاء, 2017-10-17 10:00

اطلعت على كتاب " مجموع النوازل" المعروف بمجموع انبوي، الذي نشره المجلس الأعلى للفتوى والمظالم مؤخرا، وقد طالعته فوجدت فيه من الفوائد والنكت العلمية ما يستدعي الكثير من الدرس والتأمل، وكانت لي فيه بعض السوانح والنظرات التي أحببت إثارتها أمام أعين أهل الاختصاص رجاء نظرهم وتسديدهم، بعض هذه النظرات يتعلق بالمجموع ذاته وأسس اختيار المؤلف فيه، وقيمته التاريخية والتوثيقية، وبعضها يتعلق بالمنهجية الفقهية  للمفتين أصحاب النوازل، وبعضها إشادة بالتحقيق وجهد المحقق.

إن هذا المجموع الذي يعتبر أول المجامع الإفتائية الشنقيطية عبارة عن سجل أو كناش جمع فيه عالم وقاض ومدرس كبير هو الشيخ عبد الرحمن بن الطالب محمد المحجوبي الولاتي (ت1221) جمع فيه فتاوي متخيَّرة لأعلام أغلبهم من المدن العلمية التاريخية في البلد: تيشيت وشنقيط وولاتة ووادان،  وقلة منهم من الجوار الإقليمي القريب – المغرب والجزائر تحديدا-

ومعلوم ما للمجامع الإفتائية من قيمة علمية وتوثيقية بالغة الأهمية، فإذا كانت كتب الفتاوى الفقهية الخاصة بعالم معين تعكس الواقع في عصر ذلك العالم وتشي بمنهجيته الفقهية ومستواه المعرفي، فإن فائدة المجامع الإفتائية تتجاوز ذلك إلى مستوى التعريف بمجمل الحركة الفكرية والثقافية في عصر مجموع المفتين، وتعطي صورة أشمل عن مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية في أيامهم،  وقد اشتهر في تاريخ الفقه المالكي ثلاثة مجامع إفتائية انفردت بمزايا ومضامين علمية لا توجد لا في كتب النوازل المفردة ولا المؤلفات الفقهية العامة، ولا في كتب التاريخ والطبقات، وهذه الكتب هي: الدرر المكنونة في نوازل مازونة لأبي زكريا يحيى بن موسى المغيلي المازوني، (ت883) والمعيار المعرب لتلميذه أبي العباس الونشريسي، (ت914)، ثم المعيار الجديد للمهدي الوزّاني (ت1342)

وأنا أعتقد أن صاحبنا نسج على منوال الأوليْن، غير أنه إذا كان المازوني والونشريسي ثم الوزّاني سمحوا لأنفسهم بإبداء الرأي وتخطئة بعض المفتين فإن جهد صاحبنا الأبرز كان هو التوثيق وحسن الاختيار، ورغم أن اختيار المؤلف لفتوى مفت ما وإثباتَها يمكن أن يحمل على أنه تصويب واعتماد لها، كما أن العدول عن أخرى يمكن أن يفهم منه ردها أو عدم استحسانها، رغم ذلك فإن سكوت المؤلف عن الترجيح بين الآراء المتضاربة التي أوردها في كتابه يجعلنا نعتقد أنه إنما أراد الجمع في الأساس، فقد أورد في كتابه عددا من الفتاوى المتناقضة ولم يرجح، ومن أمثلة ذلك معنى التقليد في العقائد عند الحاج لحسن بن آغْبِدّ ومحمد بن فاضل الشريف (1/54و64) وعقد النكاح على الذهب أو الفضة لفظا مع انعقاد الضمائر على العرض وجريان العرف بذلك، فقد تناقضت فيه فتويا ابن الأعمش وتلميذه ابن الهاشم، ونقلهما المؤلف معا من غير ترجيح (1/208-210) والمساجلة المطولة بين ابن الأعمش وابن الهاشم في بعض أحكام مستغرقي الذمة (2/164) ومثلها بين ابن الأعمش والحاج لحسن في بعض جوانب التفرقة بين يميني القضاء والاستحقاق (2/251-254).

وهذا الحياد الكامل هو المنهج الذي سار عليه المؤلف في كتابه ولم يخرج عنه مطلقا؛ إلا عندما اقتضى ذلك منه الأدبُ وحسن الظن، فقد وجد فتويين إحداهما للحاج لحسن والأخرى لابن الهاشم، تجاوز الانسجامُ بينهما مستوى التوافق في الرأي والنقل إلى حد التطابق في اللفظ والتعبير، فعلق قائلا: (سبحان من ليس له شبيه ولا نظير، يقع الخاطر على الخاطر كما يقع الحافر على الحافر، 2/318).

ومما يلاحظ أن المؤلف - وهو يأخذ من فتاوى بلده ويترك، و"يستورد" من فتاوى غيرهم- لم يصرح بمعيار  يحاسبه القارئ على أساسه، أهو كثرة الوقوع مع الإشكال في الحكم، أم يضاف إلى ذلك قوة الاستدلال على الفتوى نفسها، أم الرغبة في معونة القارئ وهدايته إلى فتاوى يعز الوصول إليها، أم طلب الذكرى والاستحضار الشخصي الذي هو وظيفة المجمع والكناش عادة؟  لكنه بالتأمل في النوازل نجد أن جملة هذه المعايير هي ما يمكن أن يفسر اختيارات المؤلف.

هذا بشكل موجز هو ما يتعلق بعملية الجمع، أما عن قيمة المجموع التاريخية والتوثيقية فإنه يصور كثيرا من جوانب الحياة الثقافية والسياسية في أجزاء كبيرة من بلادنا خلال القرنين: الحادي عشر والثاني عشر، ويجعلنا نعتز ونفخر بالمستوى العلمي الرفيع لعلمائنا في ذلك التاريخ، وهو مستوى لا يقصر عن مستوى أكابر علماء الحواضر العلمية العريقة في مختلف ديار الإسلام حتى في أيام ازدهارها، هذا بالإضافة إلى ما يحمله من إشارات تاريخية هامة تنشط ذاكرة المؤرخ وتثري البحث التاريخي.

ويُهمني هنا التمثيل على بعض  تلك الإشارات التي حفل بها هذا الكتاب، والتي أحسب أنه باستقرائها وتعميق البحث فيها ستستنير جوانب من تاريخنا كانت معتمة أو مجهولة:

فعلى مستوى الدين والهوية تضمن الكتاب إشارات تفيد بأن ما نحن عليه الآن - بحمد الله- من عموم الإسلام مسبوق بسيرورة تاريخية أطول مما كنا نتصور، فقد ظلت طوائف من مجتمعنا فاعلة اقتصاديا واجتماعيا على غير دين الإسلام، وقد استمر جهادها والرباط في الثغور حذرا منها إلى وقت قريب جدا، ولا نستطيع هنا أكثر من الإحالة على الصفحات: 1/167و1/187- 188.

وعلى المستوى السياسي تضمن الكتاب كثيرا من الإشارات المتعارضة، بعضها يدل على وجود شبه استقرار سياسي، يتجسد في نصب القضاة، (2/35و130و237و302) ومحاولات قبَلية لتنظيم الذات وضبط سلوك الأفراد، ومعاقبة مرتكبي الجرائم، (2/330و383) والإذن لسادة  القبائل بناء على سؤالهم في القيام بكل الأعمال السلطانية ولو كانت الحدودَ،(2/241)، وهناك إشارات أخرى  تدل على كثير من الاضطراب السياسي، وفاقة المجموعات والأفراد إلى المداراة عن النفس والمال، بل إن في الكتاب ما يشير إلى تعرض البلاد – أو أجزاء منها- للغزو الخارجي وخضوعها المباشر لنفوذ حكام تدل ألقابهم السلطوية [الباشا والمخزن] على أنهم غرباء عنها، (1/ 359و2/140-141)

وفي المجال الثقافي: فإن الكتاب كله يعد وثيقة تضع أيدينا على المشاغل الفكرية والاهتمامات العلمية في عصر مجموع المفتين، وتعرّفنا بأعلام وتزودنا بأسماء آخرين - مجرد أسمائهم-  لتترك للعائلات واجب التعرف على أبنائها وللمؤرخين القيام بوظيفتهم التي هي الترجمة لرجال التاريخ، [قاضي "تَفْرَلَّ"، وعمر بن عبد الكريم التنبكتي، وقاضي وادان محمد بن عبد الله بن أحمد الواداني، والقاضي أبو بكر بن اعل الشيخ الولاتي، والمختار بن أبي بكر بن عيسى بن تكدي الزيدي، وعالم تيشيت في زمانه الفقيه "الشغ" عصريُّ والد الشيخ أحمد بابا التنبكتي ] كما تعرفنا بالمتون العلمية المتداولة عندهم، وترينا الكتب التي كانت بأيديهم حتى لنكاد نرى ما فيها من خرم وبتر،[ نسخة حبيب الله الكنتي من البيان والتحصيل، مثلا، 1/306] وما فيها من زيادات واختلاف مع نسخنا التي بين أيدينا، وهي كثيرة إلى حد يلفت النظر، [انظر–مثلا- هوامش الصفحات: 1/154و307و324و325و2/18و21و68و108و186 و280،و343و399و400.....] وعلى ضوء هذه الرؤية تمتزج في نفوسنا مشاعر الغبطة والإشفاق: نغبطهم حين نجدهم يتداولون كتبا يعز علينا الوصول إليها الآن، ( مثل عيون الأدلة لابن القصار، وشرح البساطي على خليل، والوجيز لابن غلاب، وشرح العوفي على التهذيب، وشرح الرجراجي على الرسالة، وفتح الجليل للتتائي، وشرح ابن فرحون على مختصر ابن الحاجب، والشرح الأكبر لأبي الحسن على الرسالة المسمى بغاية الأماني وشروح علي الأجهوري والشبرخيتي والطُّخيْخي  وسالم السنهوري على خليل....)  ونشفق عليهم عند ما نراهم ينقلون بوسائط عن كتاب أنيق الطبع ميسور التداول بيننا.

ونتعرف من خلال هذا الكتاب – الوثيقة- على العلاقات العلمية الوطيدة بين علماء مدن بلادنا المتباعدة نسبيا، فهم في تتلمذ بعضهم على بعض، ومعرفة كل منهم بما يصدر عن الآخر واستنابة بعضهم لبعض في الإفتاء كأنما يجلسون على بساط واحد، بل إننا نجد ما يشير إلى أن التبادل الثقافي بين كل أجزاء الوطن كان قائما بواسطة الرحلة العلمية والاستفتاءات المتبادلة، فقد تعرفنا على رحلة في طلب العلم من تيشيت أو جوارها إلى منطقة "إكيدي" في جنوب غرب البلاد،  (1/266)، ورأينا حمى الله التيشيتي يقلد بعض علماء "إكيدي" في فتواه بشأن الفرق بين دخول الزوجة مكانا يقيم فيه زوجها وعكسِه، (1/134)، ووجدنا سؤالين موجهين إلى حبيب الله الكنتي الواداني أحدهما عمن حلف بثلث ماله لفقراء " تشمش"(1/183) والآخر عن رجل اكترى سفينة فدخلت فيها سمكة فأخذها المكتري فوجد في جوفها جوهرة....(2/192) ويفهم من مضمون السؤالين أنهما موجهان من غرب البلاد أو جنوبها الغربي.

أما في المجال الاقتصادي: فقد تضمن الكتاب كثيرا من اللفتات المفيدة في هذا الجانب، والتي تكشف عن أنماط التجارة ومسالك قوافلها (ومنها ما يفيد التنبيهُ عليه كالطريق التجاري بين "تكبه" و"زار"، 2/188) ونوعية المزروعات ( هناك ما يفيد أنهم عرفوا زراعة القطن ومارسوها، 2/87) والسلع الرائجة وأدوات الإنتاج وأعراف التجار في الاشتراك والقسم،(1/150)، وحتى المكاييل والموازين، وكيف كانوا "يعتبرون المماثلة" في أهم السلع المتداولة بينهم، وإن لم يكن السؤال الموجه إلى الحاج لحسن حول الدرهم الزائف هل هو مقوم أو مثلي؟ (1/302) إن لم يكن موجها من خارج البلد أو لمجرد اقتناص الفائدة، فيمكن أن يفهم منه أن جزءا من البلد في وقت ما عرف النقود وتعامل بها، خلافا لإطلاق العلامة حمى الله التيشيتي وجزمه بشيوع المقايضة ونفي ما سواها،( 1/299)

وفي المجال الاجتماعي: نتعرف على كثير من العادات والأعراف القولية والفعلية مثل صيغ الزواج ومراسيمه عند أهل ولاتة وعند السودان، (1/194و195) وألفاظ الطلاق،( 1/234و240و245) والوصايا والأيمان، (1/175و2/362) وهي ألفاظ ما تزال مستعملة إلى اليوم، والتكفل بمؤن أبناء البنات رغم حضور آبائهم (1/265)، وعادة تسمين البنات، (2/390)، وتداول النساء في الطعام، (2/386)، والنظرة العرفية الكريمة إلى المعلم التي أرغمت الفقهاء على تجاوز مشهور  المذهب وتكييف التعاقد معه بكونه إجارة،(2/172) والإذن المطلق له في استخدام طلابه في لائق الخدمة والكسب، (2/329-330)، وبعض التفاصيل عن إحياء ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم و"اسمه"، (2/396-399)، والروابط والصلات بين الفئات والقبائل، مثل العلاقات الروحية الودية بين الطالب مصطف القلاوي ومجموعة "إدوعيش" (2/401-402) وكعلاقة "اشراتيت"بسكان "زار" المتأرجحة بين الهدنة والحرب، (2/371).

وللكتاب فوق هذا قيمة لسانية لهجية، فقد دلنا على امتداد بعيد في التاريخ لبعض المفردات التي لا نزال نستعملها بالمعنى الذي وضعها بإزائه آباؤنا الأقدمون، سواء كانت أعلاما جغرافية أو بشرية، أو أسماء نباتات أو أدوات أو غير ذلك، مثل "آمرسال" و"متر" و"بشنة" و"المزود" و"الوزرة" و"اشرع" بمعنى التقاضي، و"البحشيشة" و"العرصة"و"ابراوة" و"الجّعبة".....كما دلنا على أن التطور وحركة التاريخ قد عملا عملهما في لهجتنا الحسانية حتى أصبحنا لا نفهم ولو بمعونة السياق كلمات كانت مأنوسة شائعة الاستخدام فيما يبدو، مثل "الغواجة" و"السخسخة" و"التبريت" و"الخرط"!!....

هذا ما يتعلق بالقيمة التاريخية والتوثيقية لهذا الكتاب، أما عن المنهجية الفقهية للمفتين فإننا نرى أنه رغم السمة التي طبعت فتاوى كل المفتين بعد عصور الإسلام الأولى ،  والتي تتمثل في الاعتماد المطلق على روايات المذاهب وأقوال المتأخرين وتخريجاتهم، وهو أمر لا ننكر أنه هو الأغلب الشائع في هذه الفتاوى، رغم ذلك لا تخلو هذه الفتاوى من استدلالات تتأسس استقلالا على الكتاب والسنة، ومن اجتهادات تراعي الواقع الاجتماعي الذي تتنزل عليه حتى لو كلفها ذلك التضحية بنص أو ترجيح لأهل المذهب ، بل ربما ضحت ب"نظرية" مذهبية متكاملة، كما لا تخلو من اجتهادات منشئة فيما لا نص فيه، هذا فضلا عن إعمال "القلم الأحمر" في آراء بعض السابقين وتخريجاتهم.

فمن أمثلة الاستدلالات المؤسسة على الكتاب السنة استقلالا: استدلال ابن الأعمش على منع غير ذي الشوكة من القيام على أهل الفساد،2/103، واستدلاله على لزوم التسليم بتمام حكمة الله تعالى وعدله في إيلام الأطفال والبهائم....2/381، واستدلاله على عدم الاستيناء بقضاء دين الميت الذي لم يشتهر بالديْن،2/11، وكموازنة الحاج لحسن بين حقي الدائن والمدين في شراء العرض والطعام الذين وقع عليهما العقد إذا غلا ثمنهما جدا عند حلول الأجل،1/373، وتخريج حمى الله لعمل المولد النبوي على أصل ثابت في الصحيحين،2/397 .......

ومن أمثلة الاجتهادات التي تراعي الواقع الاجتماعي الذي تتنزل عليه  حتى لو كلفها ذلك التضحية بنصوص المذهب وقواعده: فتوى ابن الأعمش لأهل عصره بجواز معاملة مستغرقي الذمم وإباحة أخذ ما بأيديهم مطلقا، اعتمادا على رأي الزهري وابن مزين (1/314)، ورده على معاصريه الذين قلدوا متقدمي أهل المذهب في بعض شروط بيع الملح التي بنوها على عرف متغير، (1/358)، وفتواه بإلزام أولياء دم القتيل بأخذ الثياب أو حيوان غير الإبل عند تعذر استيفاء الواجب لهم من ذهب أو فضة أو إبل، 2/324، وفتواه بحسم باب الاسترعاء وإلغائه، (1/218)، وفتوى حمى الله في ضمان المقوم بالمثلي، نظرا لتعذر العين في البلاد، (1/299)، وإعادة النظر في بعض الأحكام المبنية على سد ذرائع لم تعد قائمة كما يفهم من كلام الحاج لحسن في بيوع الآجال، (1/320)، وسد أو فتح ذرائع  أخرى تبعا للحاجة كالاحتيال على نقل الزكاة بتوكيل الفقير المقيم بغير بلد المزكِّي من يحوزها له، (1/157) والاحتيال على زكاة الذهب بصوغه حليا قبل الحول، (1/148)، والحيلة المبيحة لاقتضاء الطعام عن ثمن الطعام عند الحاجة، (1/370)، وفتوى ابن الهاشم التي تتجه -وإن لم تجزم- إلى نفي تهمة فسخ الدين في الدين عن المصيِّر الذي يستعيد سريعا على وجه الأمانة حيازةَ ما دفعه، (1/380).

ومن أمثلة الاجتهادات المنشئة فيما لا نص فيه: اجتهاد الحاج لحسن في إمامة العادم للماء وهو مضطر أيضا للصلاة في ثوب متنجس، (1/121)، وتخريج محمد بن فاضل الشريف حكم شراء المعشَّر يوم الفطر على شراء ماء الوضوء، (1/160)، واجتهاد الحاج لحسن في مقتد بمسمِّع انقطع عنه صوته قبل السلام،(1/123)، واجتهاد ابن الهاشم في لزوم الصبر إلى حين وجود الثمار المسلم فيها إذا عدمت يوم العقد ولم يكن لها إِبّان، (1/377)، واجتهاده في منع مُسلِف كبش فحل من اقتضاء كبش خصي في مقابله، (1/384)، واجتهاده في استدانة الضامن على ذمة المضمون وتخريجها على بيع الفضولي، (2/30)، وقياس الحاج لحسن الخلاف بين الممتَّع في المال وممتِّعه على الخلاف بين مستعير الدابة ومعيرها، (2/88)، واجتهاده في مسألة ناقتي رجلين لكل واحد واحدة عدا عليهما اللصوص فافتديا ناقة أحدهما بناقة الآخر، قاسها على مسألة منصوصة، وهي التقاء جملين في طريق ضيق لا يمكن تخليص أحدهما إلا بموت الآخر، (2/104)، واجتهاد محمد بن فاضل الشريف في هبة طعام المعاوضة على وجه الثواب قبل قبضه، (2/225)، واستئناس الحاج لحسن لضمان ملتقط امرأة ترك ابنة أخت لها صغيرة كانت هي القائمة على شؤونها فماتت الصغيرة، استأنس له بتسبُّبات مشابهة صرح أهل المذهب بضمان فاعلها، (2/328)، واستظهار ابن الهاشم لعدم ضمان رفقة ضل عليها رجل بين "ولاتة" و"تغاز" فلم تطلبه ظنا منها أنه يهتدي للماء أو أنه لاحق بها؛ إذ خرّجه على قاعدة سقوط فرض الكفاية بالظن الغالب، (3/394) .......

 ومن أمثلة التصويب ومناقشة آراء المتقدمين والرد عليها انطلاقا من النصوص المذهبية: رد الحاج لحسن لرأي ابن هلال الذي لم يعتبر قلة لبن البقرة بحيث لا يكفي ولدها عيبا موجبا للرد، (1/326)، ورده لرأي ابن هلال أيضا في سقوط الأجرة عن مكتري الدابة إذا أخذها اللصوص بحملها، (2/191)، ورده لكلام الزناتي شارح الرسالة في شأن ترامي العيب المُتبَرَّإ منه إلى زيادة، (1/232-236)، وكتخطئة محمد بن فاضل الشريف لميارة الذي ذكر أنه يلزم تعجيل الزيادة التي قد يزيدها رب الدين إذا كانت قيمة ما صُيِّر له في دينه أزيد من قيمة دينه، فجعلها ميارة مثل الشيء المصيَّر!، (1/382)، ورد ابن الأعمش على الخرشي الذي فهم من قول خليل:( فهل لا قسامة ولا قَوَد) في سياق الحديث عن انفصال البغاة عن قتلى أن دماء القتلى تكون هدرا رغم بغي قاتليهم!، (2/314).....  

وقد تضمنت هذه الفتاوى فضلا عن تلك الاجتهادات الدالة على بعض الاستقلال العلمي كثيرا من النظرات الفقهية السديدة، وبعض التحصيلات المحكمة لمسائل مفرقة متشعبة في الأمهات، مثل حالات المحاجير،(2/14)، ومسألة ربح من باع لنفسه مال غيره، (2/79)، ومسألة ثمن الجاه، (2/91)، وأحوال ما بيد المحارب، (2/168)، وقضاء القرض بالمساوي أو أفضل قبل أو بعد الأجل، (1/368، خلاصة في نظم سلس لأحمد بن فاضل الشريف)  وتدل تلك النظرات والتحصيلات على ذهنية منهجية وعقلية مستوعبة، رحمهم الله وأجزل مثوبتهم.

ولا يتم الحديث عن هذا الكتاب دون الثناء على عمل المحقق، فقد بذل جهدا مشكورا في تصحيحه وضبطه، ورجع إلى الموجود من الفتاوى الأصلية التي اختُصر منها على اختلاف نسخها وكون أغلبها مخطوطا، وإلى المجامع الإفتائية أو الفتاوى المفردة التي اشتركت مع هذا الكتاب في نقل فتاوى من فقدت فتاويهم، وقد أفادت تلك المقارنات التي قام بها المحقق بأمانة وصبر وأدب  أفادت الكتاب بكثير من الفوائد، فردت أو أظهرت أغلاط النساخ في العزو بسبب سقوط الرمز وأحيانا سبق قلم المؤلف في نسبة فتوى مفت إلى غيره، أو إدراجه لعبارات من غير كلام المفتي، والتنبيه على ما فات جامعي نوازل المفتين في هذا المجموع، ووثق النقول المضمنة في فتاوى المفتين من أصولها ونبه على ما فيها من اختلاف، وألمح إلى النقل بالمعنى الذي قد يكون محل نظر بإيراد كلام صاحبه بلفظه، وأضاف إلى الكتاب هوامش وفوائد قيمة نحن مدينون لها بالفضل في هذه النظرات.

وعموما فقد تضمن الكتاب فقها وتاريخا يحق لنا أن نعتز بهما ونفخر، وخُدم وصحح وأخرج في ثوب فني لائق، جزى الله خيرا كل من ساهم في إخراجه وإبرازه.

القاضي باب ولد محمد احمد رئيس محكمة مقاطعة المذرذرة