سؤال وجواب (حول الفصحى والعامية) | الصحراء

سؤال وجواب (حول الفصحى والعامية)

ثلاثاء, 2017-12-12 10:44
إسلمو ولد سيدي أحمد كاتب وخبير لغوي وباحث في مجال الدراسات المعجمية والمصطلحية

في موريتانيا، نصِف الشخصَ الذي لا يلبث في مكان واحد وكثير التصرفات بأنه: "مَرْمُوحْ" ونَصِف آخرَ، بأنه: "متْبَعْرَصْ". فهل للكلمتيْن الحسّانيّتيْنِ "مَرْمُوحْ"، و "متْبَعْرَصْ" أصْلٌ في الفُصْحَى ؟،  وما الفرق بينهما؟

الجواب والله أعلم:

رَمَحَ الْبَرْقُ يَرْمَحُ رَمْحًا: لَمَعَ لَمْعًا خَفِيفًا مُتَقَارِبًا...

لا أَستَبْعدُ أن تكون كلمة "مَرْمُوحْ"، مأخوذة-على سَبِيلِ المَجاز والتشبيه- من رَمْحِ البَرْقِ. ويكون المقصود أنّ هذا الشخص: مضطرب/ غير جادّ/ يقوم بحركات متقاربة أو يتصرف على هذا النحو، كاضطراب لمعان البرق وسرعته.

عَرِصَ البرقُ يَعرَصُ عَرَصًا: لَمَع لمعانا شديدا فيه اضطراب. بَرْقٌ عَرِصٌ: لَمعانُه مضطربٌ. عَرِصَ الصِّبيانُ: لَعِبوا ومَرِحُوا. هم في عَرَصٍ: في نشاطٍ ومَرَحٍ. عَرِصَ فلانٌ: نَشِطَ. أَعْرَصَ: اضْطَرَبَ. اعْتَرَصَ: اضطرب ونشِطَ ومَرِحَ. وبَعَصَ الْجَوُّ يَبْعَصُ بَعْصًا: اضْطَرَبَ.

يلاحظ أنّ الفعل اعترص، قريب من الفعل في الحسانية: "تَبَعْرَصَ"، مع تغيير مواقع بعض الحروف، والفعل:"بَعَصَ"، قريب من الفعل في الحسانية: "تَبَعْرَصَ"، لا ينقصه إلّا وضع تاء في البداية و راء بين العين والصاد. ومن خصائص العامية أنها "تبتلع" بعض الحروف فلا يظهر لها صوت.

لعل الْعَرَصَ، يكون أقوى من الرَّمْحِ والبَعْصِ. وبذلك يكون العَرَصُ، يناظر: "التْبَعْرِيصْ"، والرَّمْحُ، والبَعْصُ يناظران: "الرَّمْحَة". وقد تكون الكلمات الثلاث مترادفة، حسَب السياق.

يُشار هنا إلى أنّ "الحسّانيّة" بنتُ البادية، ومن الطبيعيّ أن يتأثرَ أهل البادية بالجو واضطرابه، وبالبرق ولمعانه.

لقد ذكرتُ في كتابي: "تفصيح العامية الحسّانيّة نَمُوذَجًا" أنني وجدتُ-في أثناء البحث-أنّ كثيرا من الكلمات الحسانية لها أصول جِذرية، أودلالات لفظية في اللغة العربية الفصحى.

يتجسد ذلك في وجود كلمات عربية فصيحة ، نُقِلت من الفصحى إلى العامية بعد خضوعها لتحريف/ لتغيير بالقلْب أو بالنقص أو بالزيادة.

لعلنا، على غِرار عملية التعريب (إدخال الكلمة الأجنبية بلفظها إلى اللغة العربية مع صبغها بصبغة عربية)، نقوم بصبغ العامية بصبغة فصيحة بإرجاع هذا النوع منها إلى أصوله الفصيحة، إنْ وُجِدت (أي تفصيح العامية/ جعلها فصيحة). وكأنّ في ذلك نوعًا من "تعريبها". وهي أحق بالتعريب من اللغة الأجنبية (وهي في الواقع-أي العامية-ليست أجنبية على العربية، وليست لغة مستقلة بذاتها، بل إنها تمثل مستوًى متدنيًا من مستويات اللغة العربية). وفي ذلك إغناء للمعجم العربي الحديث. ويندرج هذا الأمر في مهام مجامع اللغة العربية.