محمد كريشان «الإخوان» بين المغرب وتونس ومصر

جمعة, 2016-10-14 11:53
محمد كريشان

زيادة هنا… نقصان هناك… حرمان هنالك. الزيادة جاءت في المغرب، والنقصان تم في تونس، أما الحرمان فكان بمصر… والمقصود من كل ذلك ليسوا سوى «الإخوان» من نواب البرلمان. 
في المغرب: الانتخابات البرلمانية الأخيرة أعادت مرة أخرى إلى الصدارة «حزب العدالة والتنمية» الذي كان فاز في الانتخابات السابقة عام 2011 في أعقاب الحراك الشعبي الذي شهدته المملكة وأفرز دستورا جديدا قلـّـص بعضا من صلاحيات الملك المطلقة. زادت مقاعد هذا الحزب من 107 في انتخابات 2011 إلى 125 من مقاعد البرلمان الــ 395 في انتخابات هذا الشهر، يليه حزب «الأصالة والمعاصرة» بـــ 102، مما سيخوله تشكيل الحكومة الجديدة إذا استطاع ضم أحزاب أخرى في ائتلاف يحظى بالأغلبية.
في تونس: في أول انتخابات عامة بعد الثورة الشعبية التي أزاحت بن علي من السلطة عام 2011، تصدرت «حركة النهضة» المجلس التأسيسي بـ 89 مقعدا من الــ 217 وهو المجلس الذي عهد إليه بسن دستور جديد للبلاد مع القوانين الأساسية الكبرى. لكن هذا المشهد تغير مع الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/ تشرين الأول 2014 حيث تراجعت الحركة إلى المرتبة الثانية ليتقلص حجمها إلى 67 تاركة الصدارة لحزب «نداء تونس» بزعامة الباجي قايد السبسي (86 مقعدا) قبل أن ينقسم هذا الحزب ويفقد المركز الأول تحت قبة البرلمان. 
في مصر: بعد أول انتخابات برلمانية في مصر بعد ثورة 25 يناير التي أطاحت بالرئيس مبارك ظفر «التحالف الديمقراطي» الذي قاده «حزب الحرية والعدالة» المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين بــ 238 مقعدا من إجمالي 498 مقعدا في البرلمان. وقد حصد هذا الحزب بمفرده 218 مقعدا من هذه المقاعد. أما إذا أضفنا «التحالف الإسلامي» ذا التوجه السلفي الذي قاده بالأساس «حزب النور» فقد حصل على 127 مقعدا بحيث أن الأحزاب الإسلامية مجتمعة، بمختلف تلويناتها، حصدت أكثر من 70 في المئة من مقاعد هذا البرلمان. هذا كله «شـُــفط» مرة واحدة بعد الانقلاب العسكري في تموز/يوليو 2013، حُـل البرلمان وأطيح بالرئيس فذهبوا جميعا إلى السجون أو المنافي او التواري عن الأنظار. 
في الحالتين المغربية والتونسية، اتضح أن «الزج» بالإسلاميين، الذين ارتضوا بقواعد اللعبة الديمقراطية والاحتكام إلى القانون وصناديق الاقتراع، ساعد بدرجات مختلفة في الحد من تأثير دعاة العنف والإرهاب داخل هذه العائلة الفكرية الواسعة، كما أنه ساهم في ظهور حركية «صعود ونزول» لهم داخل المعادلة السياسية لكل بلد كما تتجلى مع كل موعد انتخابي. 
وإذا كان الناخب التونسي قد أزاح «حركة النهضة» من المرتبة الأولى في الهيئة التشريعية لأنها خيبت ظنه في كثير من نواحي إدارتها للبلاد خلال الفترة الانتقالية، فإنه من غير المستبعد بالكامل أن يعيد نفس هذا الناخب إختيارها من جديد في موعد مقبل بعد أن خاب ظنه أكثر في اعتقد أنه بديل جيد لها، أي حركة «نداء تونس» التي أظهرت من قلة التوفيق والصراعات الداخلية المستعرة والانقسامات ما جعلها تتراجع في مستوى تقدير الناس لها. 
أما في المغرب، فإن ما تعرض له حزب «العدالة والتنمية» من مضايقات مختلفة من دوائر محسوبة على «المخزن» (المؤسسة الملكية) أعطى مفعولا معاكسا، فصوت له الناس تعاطفا وكثير منهم ليسوا من الإسلاميين أصلا. ارتفعت حصة الحزب في البرلمان رغم أنه أقدم على عدد لا بأس به من القرارات غير الشعبية تتعلق بدعم المواد الأساسية وسعر النفط والغاز وصندوق التقاعد وهو ما لم تستطع أي حكومة قبله أن تجازف باتخاذها. 
في مصر، كان بالإمكان اعتماد نفس الأسلوب المبني على سعة الأفق والوثوق في الحركية التي تفرزها الحريات ولكنه الاستعجال وقلة الحيلة وضعف الإيمان بقدرة الشعب على الإختيار والمراجعة والتعديل. لقد ارتكب «الإخوان» في مصر الكثير من الهفوات القاتلة واغتروا بفوزهم الرئاسي والبرلمان، مع عدم نفي شراسة ما تعرضوا له من تكالب داخلي وإقليمي بات معروفا اليوم. ولهذا كان يمكن لأي انتخابات مقبلة رئاسية وبرلمانية أن تطيح بهم بدرجة أو أخرى، لم يصبر العسكر ولا المتحالفون معهم فكان أن حدث ما حدث، خاصة وقد أثبتت تجارب مصر وتونس وغيرهما أن قمع هذه الحركات عبر السنوات لم يكن حلا ولم يغيبها عن الساحة، إن لم يكن قدم لها خدمة جليلة. شيء واحد أكيد الآن، أن فاتورة تحمل «الإخوان» حتى موعد المحاسبة في الانتخابات المقبلة كانت ستكون أخف بكثير من فاتورة الانقلاب العسكري وما جره على البلد من ويلات. 
في السياسة كما في كرة القدم، من الأفضل اللعب بذكاء وخطط مدروسة بدل اعتماد اللعب الخشن الذي يكسر الأرجل ويبعد عن الملاعب.