"ترامب" والمسار الجديد

اثنين, 2016-11-14 15:38
بقلم: عبد الفتاح ولد اعبيدن

نجح "ترامب" بصورة مفاجئة، حتى عند أدق القائمين على استطلاعات الرأي الأمريكية، المبنية على معطيات قريبة من الروح والأسلوب العلمي الرصين، ورغم تعرضه للخطأ-بحكم طابع وطبيعة الاستطلاع-إلا أنه كثيرا ما يصدق في أمورهم التي يعرفون من دنياهم.

قبل كل شرح "كلينتون" تمثل الاعتدال، في حيز المنطق السياسي المحلي، وليس تبعا لمعاييرنا الإسلامية المغايرة، و"ترامب" يمثل بحق التطرف، وربما السبق بأسلوب الهجوم بدل الدفاع.

ولتعلموا علم اليقين، أن ما يقال أن أسلوب "ترامب" في الحملة الانتخابية، مجرد كلام حملات على منحى مدروس بدقة، لأغراض انتخابية منشودة، تحققت جلا، بعدما أعلن عن نجاحه.

أقول هذا المعني السابق في حيز محدود فقط، والأغلب الأعم على رأي البعض، أن هذا الرجل المثير ينحو منحى متطرفا "جادا"، وسيؤثر في العالم أجمع، إن لم يؤثر في عموم الكون البشري، وأشجاره واحتباسه الحراري.

نجاح "ترامب"، -إن لم تتم تصفيته جسديا- من قبل تنظيم الدولة أو بعض الأجنحة السياسية الأمريكية القوية، والمتضررة بحق من تغلبه الانتخابي.

أقول هذا النجاح المفاجئ في حساب الأكثرية عالميا، سيفضي إلى مسار أمريكي وعالمي جديد، في الأخلاق والقيم والاقتصاد والبيئة والأمن العالمي والسياسة الدولية قبل المحلية الأمريكية.

فكراهية المسلمين إن تغاضى عنها المعتدلون أو على الأصح المتريثون، منا معشر المسلمين، لن يتغاضى عنها القابضون على الجمر، جراء المظالم الوطنية والإقليمية والإسرائيلية والبريطانية والفرنسية والأمريكية والغربية عموما، وحتى الشيعية المذهبية الضيقة بوجه خاص.

أمريكا في دائرة الخطر بامتياز، ولا يستبعد في وقت قريب أحداث أكثر خطورة على شعبها المسكين من أحداث 11 سبتمبر2001.

أجل، أمريكا في خطر منذ أن اختارت عن وعي وسبق إصرار على رأي البعض، "ترامب" المتطرف الموغل في الحماقة والتحامل والتجني، حتى على أقرب الناس منه أمريكيا، وأبعدهم منه في الجغرافيا والانتماء بالمعنى الواسع.

إنني أدعو إخواننا في ّداعش" والقاعدة وغيرها لتوجيه الضربة الاستباقية إن لزمت، قبل أن تتم تصفيتنا جميعا، عن بكرة أبينا، وعن قصد، قد تكون خطتها أعدت قبل لحظة الإعلان عن النجاح، إن كان حقا مفاجئا.

رحم الله الحجاج ما أعدله.

إن أمريكا، منذ نشأتها ومع أربع وأربعين رئيسا، كان يحكمها "رشداء"، بالمقارنة مع ما هو قادم ومرتقب راجح.

إن كل الدول والمجتمعات المسلمة، مدعوة لقطع العلاقة مع الدولة الأمريكية، وليس الشعب الأمريكي، وذلك من باب الاحتياط والتوقى.

إن أمريكا شعبيا رفضت انتخابيا في جزء كبير منها، هذا التوجه الضار بنا، معشر المسلمين والعالم أجمع.

لكن الحكم للأغلبية وعلى الأغلبية، ولقد جرت العملية الإنتخابية على أمريكا أسوأ خيار في تاريخها، وربما تبين أن المنتمين لـ"داعش"، رغم سوء وتطرف بعض خياراتهم أو تصرفات على الأصح، إلا أن سبقهم للتطرف كان قصاصا ومبررا، بحكم ما تجلى الآن من معطيات ومواقف كانت موجودة. وإنما زادتها البوابة الانتخابية وضوحا وانكشافا للجميع، بعدما لاح بعضها وظهر من خلال ساحة الحروب والمواجهات والمجازر والمظالم الغائرة في فلسطين، بعد تغلب اللقيط الصهيوني، الكيان المغروس في أقصى الأمة وكبدها النازف، كما تجلت هذه المعطيات والمواقف الحاقدة على الأمة المسلمة من خلال أحداث العراق وأفغانستان وسوريا وغيرها من ساحات سحق الأمة المسلمة، على أيدي أمريكية وروسية أروبية متنوعة.

نجاح "ترامب" لا يعني فقط احتمال ورجحان تضاعف الظلم الغربي والأمريكي والصهيوني خصوصا ضد أمة المسلمين، وإنما يعني أيضا، أن العالم الراهن وبوجه خاص الغربي منه، تخلى عن القيم وأضحى شعاره المفضل المطبق تدريجيا بحرفية، "أل يغلب صاحبو إجن اعليه".

إذن، الحل قبل أن يستفحل الجنون الأمريكي عبر "ترامب" وفريقه، والفرنسي عبر مذهب "جان ماري لوبين"، والجنون الصهيوني المعتاد المتصاعد، المتوقع أن يستفحل ويصل إلى مستويات لم يسبق لها مثيل، أقول الحل أن نحبك الخطة الملائمة في الوقت المناسب قبل انطلاق الهجمة الطامة الكبرى على ما بقي من المسلمين وبيضتهم { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم}.

لا نستغرب إن جسد عمليا هذا المنحى "ترامبي" الانتخابي النظري، أن تهدم الكعبة لا قدر الله، وتتسارع العلامات الكبرى للساعة، في حيز متقارب ،والعلم والحساب الزمني الدقيق الموعود المخفي عند الله وحده.

"إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

ولا نستغرب أن تسيل الدماء أنهارا بل وبحارا في كل مكان إذا ترسخت وتوسعت هذه الظاهرة "ترامبيه" في أمريكا وفرنسا وغيرها من بقاع الغرب العنيد المزدوج المعايير، اجتماعيا وسلوكيا وقيميا، يعني نجاح "ترامب" هذا الأربعائي المثير أن الأخلاق التقليدية النموذجية عند المسلمين وغيرهم إن صح الإطلاق على غيرهم، انتهى عهدها وبدأ العهد الجاهلي القديم الجديد، الذي يصلح في جاهلية ما قبل الإسلام وفي الجاهلية المعاصرة، ولا يصلح لنا إطلاقا معشر الأمة الوسط الحكيمة.

على منوال البيت الشعري العربي الشهير للشاعر الجاهلي زُهَير بن أبي سُلْمَى الْمزْنِي:

وَمَنْ لَـمْ يَـذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ           يُـهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ  الـنَّاسَ  يُظْلَمِ

إذن، قبل الهجوم المرتقب، على الدول والمجتمعات المسلمة أن تشرع لتعميم الخدمة العسكرية على جميع القادرين على حمل السلاح، وإن أتيح جو التعامل السلمي مع أمريكا في هذه الظرفية، ينبغي أن يكون التعاطي والتفاوض بحزم وتحت أجواء المعاملة بالمثل.

لقد شرعوا في تطبيق معاييرهم المزدوجة بأعلى المستويات وعبروا بصدق عن رغبتهم معشر الأمريكيين في ذلك الأسلوب الظالم، على منحى المثل، ضربني  وبكى وسبقنى وشكا.

لا غرو محليا أن يؤكد "ترامب" عندنا ونعني محمد ولد عبد العزيز، أو ترامب الموريتاني، أن العلاقة الأمريكية الموريتانية في ظل ترامبين الأمريكي والموريتاني، ستعزز وتصل إلى مستويات عليا في التفاهم والتعاون والتناغم، هذا غير مستبعد، بل منطقي إلى حد بعيد.

لأننا نعيش منذ الثالث أغسطس وفي يوم أربعاء مثل هذا الأربعاء، أجواء ترامبية بامتياز، تضرر منها المواطن من كل مشرب معارض أو موال حتى، وتضرر منها الإقليم المجاور والبعيد أحيانا.

"ترامب"ظهر أسلوبه في عدة دول ومجتمعات، حتى إسلامية بالاسم على الأقل، وربما كان "ترامب" ردة فعل، على تصرفات إسرائيل وإيران والتوجه المذهبي الشيعي الحاقد، لأن هذه الجهات بوجه خاص وإلى جانب ظلم كافة الأنظمة العربية دون استثناء إلا لماما، هي من دفع الشباب المسلم لحمل السلاح بصورة أحيانا غير مرتبة، لا شرعا ولا أسلوبا واقعيا ملائما مدروسا، مما ألزم النصارى والغرب عموما، بشقيه الرأسمالي والاشتراكي وحليفهم الصهيوني بالدرجة الأولى، للاحتماء بخطة دفاعية من جهة وهجومية من جهة أخرى، رسمت منذ سنوات وهي الآن في طريقها للتطبيق ولو تدريجيا أو للتجربة على الأقل، وهي في غاية التطرف والتصفية المباشرة من الناحية الحضارية بمختلف المعاني، وهي تصفية موغلة في الحماقة، ولا حل مقابلها إلا المعاملة بالمثل.

ومن اليوم فصاعدا سيسمي البعض الداعشيين بالجهاديين، ما لم ترجع أمريكا بحق عن هذا المسار الغارق في التطرف والجهالة والغباوة ولو إن شاءت عبر تصفية جسدية أو سياسية من نوع ما للرئيس الناجح للتو.

اضربوا في قلب كل عاصمة غربية واقتلوا النصارى الحاملين للسلاح دون رحمة والإسرائيليين من باب أولى، هذا لاشك قد يكون برنامج وخطة بعض الشباب الغاضبين من معشر المسلمين اتجاه هذا المسار "ترامبي" المتصاعد، ولكل فعل ردة فعل ،على نسق قاعدة "نيوتن" في الفيزياء، وكما يقال "اجنون ماهم من جهة وحده".

أما عندما تراجعون فربما يراجع أمثالكم من غير المتريثين عندنا، وإن شئتم لسبب ما اعقدوا انتخابات مبكرة، بعد عزل قانوني للرئيس الأمريكي الجديد والذي يشكل انتخابه وارتقاءه لدفة الحكم فاجعة أخلاقية وسياسية وقيمية عالمية، وفي كل ميدان.

ولا مساس عندما تتوازن الأمور إلا في ساحات المواجهة الحضارية والجهادية المبررة النظيفة، مثل الدفاع عن المسلمين وبيضتهم واسترجاع الأقصى الأسير وأرض فلسطين السليبة المقدسة وما يستلزم حماية الحرمين.

"ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب".

وإن شئتم يا معشر المسلمين المتابعين عالميا لمسارات الرأي والتطور، أعفوا ووسعوا الصدر، فالتطرف مهما كان لونه الديني أو العرقي أو غيره عمره قصير، لأنه نبتة غريبة، غير قابلة للبقاء طويلا، وإنما البقاء للأصلح "فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض".

لكن الوقت الراهن قد لا يسمح على رأي البعض بالعفو المفتوح غير الحازم، وإنما العفو الملائم المتعقل في هذه الحالة، بعد حسم وقطع وإبعاد الخطر "ترامبي" والخطر المحتمل في فرنسا، عبر حزب "جان ماري لوبين"، المرأة المتطرفة التي قد تحكم فرنسا وتتصاعد حظوظ واحتمالات وصولها إلى ذلك المقصد الرئاسي الحساس، كلما زادت أيام "ترامب" في سدة الحكم، وهي أيام ستكون أقسى على النصارى واليهود قبل غيرهم من جميع المشارب والأمم.

وعلى نفسها جنت "براقش" كما يقال في المثل العربي.

ولا أستغرب أن تعاد الانتخابات الأمريكية قبل أقل من عام، ولو عبر تصفية سرية من قبل المخابرات الأمريكية أو اللوبي الصهيوني على الأرجح، لأن ما هو مرتقب من تحت عباءة دولة "ترامب"، قد يجر على إسرائيل وأمريكا بوجه خاص ما لا قبل لهما به.

مما قد يضطر جهات كثيرة معنية بهذا الضرر الراهن للتخلص بطريقة ما، من مصدر الخطر ترامبي المتفاقم، حتى لا يستفحل هذا الضرر المتوقع البالغ، إلى مستوى يطيح بأمريكا، لتحل محلها دولة غير صديقة للصهاينة، وقابلة لأن يحكمها مسلم، قد يحمل فكرا قريبا من الفكر الداعشي وفي غاية العداء لللوبي الصهيوني الأمريكي والعالمي.

وسيذوق الأمريكيون والفرنسيون والغربيون عموما مرارة التطرف وعاقبته قبل غيرهم، مما سيدعوهم بسرعة لمراجعة سائر منظومتهم السلوكية والحضارية العرجاء الفاتكة بأصحابها قبل غيرهم، وهو وضع نفسي واجتماعي واقتصادي وأمني قد يعجل بانتشار الإسلام في العالم، وفي أمريكا بالدرجة الأولى ومن بعدها الغرب عموما بشقيه الرأسمالي والإشتراكي، مصداقا لحديثه صلى الله عليه وسلم، من قيام الخلافة الراشدة وهيمنتها وعمومها على العالم أجمع.

"ترامب" إما نهاية العالم أو بداية عالم جديد خال من المتطرفين، حتى لو كانوا مسلمين أو غير مسلمين.

اللهم سلم....سلم....لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال الله تعالى: "وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"

ولنتحرى قليلا قبل الضغط على الزناد، فربما في الأيام والأشهر القادمة، فرج غير محسوب، رحمة من الله بهذا العالم المرتج المضطرب المهزوز بقوة وعمق على أيدي الغلاة والمتطرفين من كل تجاه.

تحركوا يا أصحاب "داعش" و"القاعدة" برصانة وتبصر، حتى لا تحرقوا العالم أجمع وتدفعوا المتطرفين من كل صوب واتجاه لمساندتكم في إشعال وتعميم هذا الحريق العالمي المرتقب، خصوصا بعد نجاح "ترامب" اليوم في أمريكا، الأربعاء 9نوفمبر2016ـ ووقتها تندمون ولات حين مناص.

وربما الأحكم أن تتأنوا ولو فترة من الوقت قبل الدخول في المواجهة العالمية الجديدة، والتي قد يكون الخروج منها أصعب من الدخول فيها.

قال الله تعالى: "  وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"

الجهاد ينبغي على العلماء العاملين الوسطيين أن يحددوا دائرته قبل أن يجتهد الجهال، أصحاب النوايا الحسنة، ناقصي العلم الشرعي المتبصر الحازم، فيحرقوا العالم أجمع، من غير وعي وتعقل، وتحت ضغط الظلم وجناية "ترامب" وفريقه من أنفسهم وغيرهم، في مجال كوني واسع طافح.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ما من صواب فمن الله وما من خطإ فمني، وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه.

وفي الختام، أقول هل نجح "ترامب" ربما لأنه درس بتأن هو وفريقه، وعلى سنوات، سيكولوجية ناخبيه، من النصارى المتصهينين واليهود الأمريكان.

قال الله تعالى: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم "

وأولى خططهم لتمهيد طريق اتباعنا لهم، استعبادنا وتخويفنا، وإذلالنا واستلاب بيضتنا.

يقول "ترامب" عن السعودية ضمن حملته الانتخابية المنتهية للتو، هي مثل البقرة، نحلب لبنها وبعد ذلك نذبحها لأكل لحمها فحسب.