شكري… ذاك الشاب من قفصة في بغداد

أربعاء, 2017-03-15 09:06
محمد كريشان

إلى أربعين عاما خلت، أعادتني هذه الرسالة الإلكترونية التي وصلتني قبل أيام قلــــــيلة، إلى تشرين الثاني/نوفمبر عام 1977. كانت تلك المرة الأولى التي أركب فيها الطائرة والوجهة بغداد.. 
في الثامنة عشرة من عمري، بدأت للتو حياتي الجامعية في تونس طالبا في «معهد الصحافة وعلوم الإخبار»، لكن ظل بي حنين خافت لدراسة الحقوق باللغة العربية وهو ما لم يكن متاحا آنذاك بتونس. لهذا وما إن أُبــلغت بأن إجراءات التحاقي بكلية القانون ببغداد قد استكملت حتى ركضت لاستلام تذكرة الطائرة.
أول شيء فعلته بعد ذلك أني توجهت مزهوا لإدارة معهد الصحافة لإلغاء تسجيلي وتوديع موظفيها. قالت لي «مدام مصلية»، تلك السيدة الشقراء النحيفة ذات الشعر الأصفر القصير: ولمَ هذا الاستعجال على الإلغاء؟!! سافر إلى بغداد فإذا استقر بك المقام إرسل لنا طلب الإلغاء.. أما إذا كان الوضع غير ذلك فستعود إلى هنا وتستأنف الدراسة وكأن شيئا لم يكن.
جلست في الطائرة وقد بدا علي الاضطراب، ليس فقط لأني أركبها لأول مرة بل كذلك تهيبا مما ينتظرني في الغربة وحزنا على ترك الوطن والعائلة وخاصة المرحوم الوالد الذي لم يشأ أن يقف في طريق هذه السفرة رغم تحفظاته المكتومة.
إلى جانبي جلس رجل ستيني تقريبا من مدينة قفصة وسط البلاد، يلبس جبة تونسية تقليدية رمادية اللون. قال لي إن ابنه يدرس في بغداد وأنه في كل مرة يتأخر فيها عن مراسلته يسارع هو للقدوم إليه.
وصلنا بغداد في ساعة متأخرة من الليل، لم أجد أحدا من وزارة التعليم في انتظارنا كما وعدنا، كان معي على نفس الرحلة طالبان آخران وطالبة وحيدة هي الروائية حياة الرايس. بقينا على كراسي المطار حتى الصباح وجاء أحدهم لأخذنا.
كانت بدايتنا متعثرة للغاية فالدروس بدأت منذ شهرين، ولم تكن هناك شغورات في المبيت الجامعي حتى أنهم وضعوا لنا أسرّة في بهوه عند المدخل وراء خزائن حديدية، كما كان علينا ونحن نستكمل إجراءات التسجيل شديد التعقيد أن نحصل على الزي الجامعي الموحد: القميص أبيض والجاكيت زرقاء والبنطلون رمادي، على ما أذكر.
كنا أول دفعة من طلاب تونسيين تصل بغداد بعد اتفاق يقضي بإعطائنا منحتين واحدة من كل حكومة وذلك في عهد وزير التعليم الراحل محمد مزالي الذي أمر هو بنفسه ببعثي إلى العراق. كان ذلك أيام الراحلين الرئيس أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين. أمر غير مسبوق… فأغلب الطلبة التونسيين هناك هم من البعثيين الهاربين من تونس أو المطرودين من جامعاتها.
هؤلاء لا يمكن أن يكونوا سوى جواسيس أرسلهم «النظام البورقيبي العميل»… هكذا ذهب في ظن بعض الطلبة التونسيين هناك. زاد الطين بلة أننا ما إن رأينا في الأيام الأولى مقر إتحاد طلبة تونس في العراق حتى هرعنا إليه لنسأل عن عنوان السفارة التونسية!! تأكدت الشبهة إذن!!
وفي اليوم السادس أو السابع لوصولي وأنا هائم على وجهي في شوارع بغداد حائرا، يتبعني البعض للمراقبة.. إعترضني ذلك الشيخ ومعه إبنه الشاب الذي حدثني عنه. أخذاني إلى بيتهما المجاور لشرب الشاي وخلال تلك الجلسة أدرك الإبن بسرعة أنني شاب طري العود، بلا تجربة، وبأن مقامي في العراق سيكون معاناة حقيقية. سألني إن كنت مطرودا من الجامعة فقلت لا. هل بإمكانك العودة إلى الدراسة في تونس؟ نعم. هل معك الآن بطاقة طالب تونسي؟ نعم. قال لي هيا بنا فورا لشراء تذكرة العودة إلى تونس بالتخفيض المخصص للطلبة العرب.».. عد إلى استكمال دراسة الصحافة.. صدقني لن تتحمل العيش هنا، ستذكرني بالخير طول حياتك وتقول.. رحم الله والدين ذلك الشاب من قفصة، في الدنيا والآخرة». لم يكن معي ثمن التذكرة، فقال سأدفعها عنك واصطحبك بعد ذلك إلى المبيت لاسترداد المبلغ. صباح اليوم الموالي، كنت في الطائرة عائدا إلى تونس. 
لم أره بعد ذلك أبدا، ولم أسمع أخباره، بل لا أتذكر إسمه أصلا. قبل أيام فقط، وبعد أربعين عاما كاملة، تصلني الرسالة التالية على بريدي الإلكتروني من سيدة تدعى نعيمة: «سلام عليكم أستاذ محمد، منذ 2011 عندما ذكرت قصة دراستك في العراق وعندي رغبة أشاركك معلومة رأيت فيها آية إلهية، أنا قريبة ذلك الشاب القفصي الذي طلب منك ترك الدراسة في العراق وكان سببا في دراستك للإعلام. الله أراد أن يطيل عمرك، الشباب تعرضت مدرستهم ومقر سكناهم للقصف الإيراني في الحرب أثناء تلك الفترة واستشهدوا، ومنهم القفصي الذي عاد لتونس في نعشه.
شكرته أنت في حوارك الصحافي، وتساءلت أنا  كيف نسمع عن أفراد عائلتنا بالخير بعد سنوات وفي العلن. شكرا لتقديرك للناصح الذي لم تعرف اسمه، هو عز الدين بلطيفة».
شكرا لك سيدتي.. ورحمك الله سي عز الدين ورحم والديك في الدنيا والآخرة…

نقلا عن القدس العربي