رحيل عراب العمل الخيري في موريتانيا

ثلاثاء, 2017-04-18 12:07
د. محمد لمين اشفاغ

خطب جلل وفاجعة مؤلمة ألمت ببلادنا بعد انتقال الأخ والصديق العزيز سيد احمد (ادو) ولد محمد ولد سيد ألمين الى الرفيق الأعلى الليلة البارحة على اثر حادث سير مؤلم تعرض له، إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا.

تعرفت على الفقيد بداية الألفية الحالية وكان اذ ذاك في بداية ولوجه عالم المال والأعمال بعيد انتهائه من تحصيله الدراسي في جمهورية الصين الشعبية الذي توجه بشهادة الماجستير في الإقتصاد البحري إن لم تخنني الذاكرة، وكان شابا مثقفا ظريفا موطأ الأكناف، على قدر عالي من الإلتزام الديني، صواما قواما منفقا في سبيل الله بلا حد، صاحب أخلاق رفيعة وتواضع جم، وظل على عهدي به حتى قضى نحبه، أخرج الطبراني في "الصغير" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أكمل الناس إيمانا أحاسنهم أخلاقا الموطئون أكنافا ، الذين يألفون ويؤلفون ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف).

بفضل أخلاقه العالية واتقانه لعدة لغات، تمكن الفقيد من كسب ثقة العديد من المؤسسات التجارية المحلية والأجنبية خاصة، وهو ما ساهم في تحقيقه نجاحا ملحوظا في أعماله، بيد أنه لم يكن يفكر بمنطق أترابه من رجال الأعمال الشباب، فصرف جل اهتمامه الى خدمة الناس ومنافع المسلمين، الشيء الذي سيجعل منه لاحقا الأب الروحي لجاليتنا في جمهورية الصين ورئيس مكتبها وعراب العمل الخيري في البلاد.

في مطلع العام الجديد قامت الحكومة الصينية بتكريمه بمناسبة يوم الثقة، تلك الثقة التي يحظى بها "ادو" أينما حل، تلك الثقة التي وظفها "ادو" لخدمة العلاقات الموريتانية الصينية على المستويين الرسمي والشعبي بوصفه رئيس مكتب الجالية الموريتانية في الصين.

استطاع "ادو" في وقت وجيزاقناع رجال أعمالنا في الصين بالعمل الخيري في بلادهم، فأشرف على رعاية وتأسيس هيئات خيرية عملت على بناء المساجد ورعايتها وحفر الآبار وتدريس القرآن والعناية بالمرضى .....الخ، ولعل ما ساهم في نجاح مبادراته في المجال الخيري بعدها عن الطابع السياسي اضافة الى ذاتية التمويل.

استدعاني "ادو" مرات لحضور تقارير مجالس ادارة بعض هذه الهيئات، وقد لفت انتباهي رعايته لنوعين من الأعمال الخيرية، دون أن ننسى البقية:

-    تدريس وتحفيظ القرآن، وفي هذا المجال اعتمد نظاما عصريا لمتابعة التحصيل العلمي للطلاب، وهو ما مكن من تخريج ما يربو على ألف حافظ مجاز في التجويد خلال فترة وجيزة، وقد اعجبت كثيرا بهذه التجربة، وقد عرفت لاحقا بسلسلة معاهد ورش التي تفوق 200 فرع ومحظرة متعاونة.

-    رعاية المرضى، حيث  تعمل مجموعات من الشباب بنظام المداومة على مدار الساعة، على المستشفيات يوميا للتكفل بالمعوزين ودفع نفقات العلاج والتشخيص.

هذا غيض من فيض مآثر الأخ سيد احمد "ادو"، والتي نعجز عن تعداد النزر منها احرى الإحاطة بها، وليس لنا إلا التسليم بإرادة الله وقضائه واحتسابه عنده، فبرحيله فقدت موريتانيا واحدا من خيرة أبنائها، ستفتقده المساجد والمحاظر، سيفقده المرضى والمحتاجون من كل أنحاء موريتانيا، ناهيك عن محيطه العام والخاص وأصدقائه ومحبيه.

عزائنا للزوجة الصابرة وللأبناء والأهل وللوطن أن المصائب تكفر الذنوب، فقد أخرج البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاه).

إنا لله وإنا إليه راجعون