أمن غذائي بمذاق الصدقات

جمعة, 2017-04-21 16:03
المهندس: الهيبه سيد الخير

تعرضت بلادنا بداية عقد السبعينات من القرن الماضي لازمة غذائية حادة، نتجت عن جفاف منطقة الساحل، وقد نجم عن تلك الازمة تحولات اقتصادية واجتماعية هامة، ستسهم في زيادة الفجوة بيننا وبين امننا الغذائي، فلقرون خلت كان سهل شمام المعطاء وواحات وسهول البلاد توفر الغلال، في حين كانت الثروة الحيوانية الهائلة توفر البروتين الحيواني بفضل تناغم انماط الانتاج مع حياة السكان.

بداية انعدام الامن الغذائي

شكلت الهجرة من الريف الي المدينة بداية انفراط عقد التناغم بين السكان وانماط الانتاج، فأصبحت منتجات الالبان في غير متناول اغلب السكان، كما ان انشاء سد منتالي سيقضي على الزراعة الفيضية في سهل شمام، بينما ستعجز الزراعة المروية عن توفير ما كانت تجود به الزراعة الفيضية ناهيك عن تحقيق الاكتفاء الذاتي.

يمكن تعريف الامن الغذائي بانه قدرة بلد ما على انتاج غذائه، بما يعادل او يفوق احتياجاته الغذائية، وقد تعزز هذا المفهوم بعد ازمة الغذاء الاخيرة سنة 2008، حيث وصل الامر ببعض دول العالم لتحريم بيع الغلال، مما ادي الي ارتفاع غير مسبوق في الاسعار، هذا ان وجد الغذاء اصلا، فلأول مرة في التاريخ الحديث لم تعد النقود تضمن الحصول على الغذاء.

تعاني بلادنا من غياب نظرة استراتيجية حقيقية لتحقيق امننا الغذائي، فباستثناء بعض الاستراتيجيات والخطط التي تٌعد في إطار البحث عن التمويلات، فلا توجد على ارض الواقع جهود تذكر، ويكفي اننا نعتبر ان الدعم الغذائي الاجنبي كفيل بتحقيق الامن الغذائي، حيث تُعد مفوضية الامن الغذائي هي الضامن الفعلي لأمننا الغذائي!

مفوضية للأمن الغذائي او للمساعدات الغذائية!؟

انشئت مفوضية الامن الغذائي سنة 1982 على أنقاض عدة مؤسسات، كان اولها عمليات خطة التدخل السريع OPU، والتي ظهرت سنة 1973 لتنسيق توزيع ما عرف حينها بالإسعافات، ثم تلاها انشاء المكتب الوطني للحبوب OMC، فمفوضية المساعدة الغذائية، واخيرا مفوضية الامن الغذائي، ويتضح جليا بان هذه المفوضية انشئت كمنصة لاستقبال وتوزيع المساعدات الغذائية لا أكثر ولا اقل، وقد لعبت هذا الدور منذ بداية انشائها ولحد الساعة.

لقد حدد آخر مرسوم منظم لعمل المفوضية وهو ال مرسوم192-2008 الصادر بتاريخ 19 اكتوبر سنة 2008 مهمتها الاساسية في اعداد وتنفيذ السياسة الوطنية في مجال الامن الغذائي، في حين يقتصر دورها على توزيع المساعدات!

ان اعتماد امننا الغذائي على وكالة لتوزيع المساعدات الغذائية من بعض الدول المانحة، يعكس خللا بنيويا وعمي ألوان لصناع القرار، فهذا الدور يمكن ان يقوم به المجتمع المدني، ولا يجب ان يكون تحت يافطة الامن الغذائي، فاذا كان المال لا يضمن تحقيق الامن الغذائي فهل يُعقل ان نعتمد على المساعدات لتحقيقه ولفترة تقترب من نصف القرن.

سُبل تحقيق الامن الغذائي

لا يحتاج تحقيق الامن الغذائي لبلد سكانه بعدد سكاننا لمعجزة، خصوصا اننا نملك موارد كبيرة، لم تستغل بشكل ملائم لحد الآن، وانصح صناع القرار بما يلي:

اجراء مسوح ودراسات جادة، لتحديد الوضعية الراهنة لكل شُعب الانتاج، فالمتوفر حاليا عبارة عن دراسات تجميلية، انتجت في ظل مزادات حقيقية، فكل ادارة جديدة تضع رقم انتاج خاص بها، ليصل الانتاج الي ارقام خيالية، وأفضل دليل علي ذلك، ارقام وزارة الزراعة، كما ان ازمة الصيد الاخيرة عكست زيف الارقام، فالدراسات وارقام المنتسبين الي الاتحاديات واعداد خريجي مؤسسات التكوين كلها تعطي صورة مغلوطة ضللّت صناع القرار؛

اجراء اصلاح عقاري بما يسهل بيع وتداول الاراضي الزراعية خدمة للاستثمار، فالملكية تقليدية والمستثمر لم يرث الارض فكيف سيلج اليها؛

سنُّ حزمة من قوانين الاستثمار لتشجيع المستثمرين؛

اصلاح منظومة القرض بما يضمن تمويل الاستثمار وولوج صغار المنتجين له؛

تطوير البحث والارشاد والتكوين؛

تطوير الزراعة العلفية؛

انشاء شبكة واسعة من وحدات جمع الحليب لتزويد مصانع انتاج الحليب ذات الطاقة المتوسطة؛

دمج قطاع الصيد في الاقتصاد الوطني وتثمين منتجاته؛

انشاء وزارة وصية واحدة لكل قطاعات انتاج الغذاء، على غرار معظم دول العالم، فوزير الزراعة المصري اكتشف في زيارته الاخيرة بان له ثلاثة نظراء.

من غير المقبول ان يظل الامن الغذائي مختزلا في مفوضية لتوزيع المساعدات، خصوصا انها لا تكترث بالدور المرسوم لها، فاذا كان الجفاف في السبعينات بررّ وجودها، فيجب اليوم اغلاقها وتدعيم جهود التنمية، بما يحقق امننا الغذائي، او اعادة هيكلتها لتتواءم مع الادوار التي تقوم بها، واسناد الامن الغذائي لجهة تُبعده عن اناء جمع الصدقات.