في حديث ودي مع صديق كيميائي، ناقشنا فيه كيمياء الاغتراب الطويل وما يترتب عليها من تأكسد العمر، وما تتطلبه من التفاعل الوجداني والروحي وخاصة التفاعل الاجتماعي. نصحني الصديق أن صنع رابطة قوية من نوع "سيغما" مع طالبة جامعية تدرس تخصصا طويل "الكرِّة" مثل الطب، سيكون مناسبا ومساعدا لبناء وطن صغير في الغربة..
دار الحديث في الصباح، وفي مساء نفس اليوم ذهبت كالعادة أمارس الرياضة. قلت في نفسي أي الاتجاهات أختار؟ أخيرا أخترت طريق الكورنيش. وأنا في الطريق تذكرت حديث صديقي العابر. قلت في نفسي لن أعود قبل بلوغ أكناف جامعة "الشيخ أنتيا ديوب" رغم طول المسافة. كان لدي إحساس قوي أنني سأجد طالبة طب تقوم بتشريح تدفق الأمواج بكاميرا هاتفها وأنها ستكون صدفة غريبة مثلما يحدث عادة في القصص الخيالية وستقوم بتشخيص ناجح لحالتي، لأن الأطباء يدرسون تخصصا يعتبر مزيجا بين العواطف والعقلانية. فالقلب يشبه الميكروسكوب والعقل يشبه التلسكوب، وبغية فهم الأشياء من حولنا بوضوح، فلابد من رؤية القريب منها والبعيد بكل دقة..
عندما دنوت من الشاطئ رأيت في الأفق البعيد حلقة من النساء بدون لي موريتانيات أو ربما صحراويات أو دجيبوتيات لا أدري. لما دنوت أكثر واتضحت لي الرؤية تبين أنهن من دولة موريتانيا الشقيقة والصديقة. ترددت كثيرا في إلقاء السلام عليهن، لأنني لاحظت مثلما لاحظ غيري، أن أفراد الجالية الموريتانية هنا سلامهم بارد وبلا نكهة حارة دون إيجاد أي تفسير منطقي للظاهرة. أحيانا يمرون أمامنا في المحل ويرمقوننا بنظرات تائهة ونائية مثل نظرات ممثلي أفلام "الزومبي" دون تلويح بالتحية أو ابتسامة، على عكس العجوز الشامي الذي لا يمر قربنا إلا ولوح لي بالتحية كأنه يستهدفني بها، أما السنغاليون فإنهم يتشنجون من عدم إفشاء السلام. لذلك أصبحت محرجا من السلام على أبناء الوطن حتى لا يكون إفشاء التحية يزعجهم، فأصبحت "زومبيا" مثلهم...
جلست دون الحلقة لاهيا ببصري في تكسر الأمواج على الصخور وانعكاس أشعة الشمس على الماء. وعندما دنا وقت الصلاة دنوت منهن وألقيت عليهن السلام وسألتهن سجادة لتأدية الصلاة. أعتذرن بعدم امتلاكهن لها لكنهن كن يجلسن على مربع اسمنتي بدا لي أكثر نظافة من التراب المتصلب بالشاطئ، فاستأذنتهن في الصلاة عليه وعندما انتهيت. سألتهن عن تخصصهن فقلن كلية الطب لما قلنها ضحكت في دخيلتي من طرافة الصدفة. بدون محترمات وعليهن سكينة من المعرفة ووقار "التفيسي" وجئن إلى هنا قبيل العيد للحصول على قسط يسير من الاستجمام. شعرت بالإحراج من مواصلة الكلام معهن لعلي أزعجهم بذلك. فعدت لخلوتي عند حافة الشاطئ قائلا لهم إذا صببتم كأسا من الشاي فأنني في الجوار..
لكنني شعرت بالملل من التأمل وقلت هذه صدفة غريبة ولابد أن أخبرهم بالحكاية. رجعت إليهن ثم بقيت واقفا حتى يأذن لي بالجلوس من تلقاء أنفسهن. لكن لما تآكل الانتظار في جوارهن، قلت لهن أين حب الوطن؟ تتركون مواطنا واقفا دون دعوة للجلوس! عندها أعتذرن وقلن لي تفضل مع إفساح مكان بحافة الفراش وترك مسافة للتباعد العاطفي. لعبت معهن الورق(بلت) و"داقيتهن" دون أن يتفطن لشيء رغم أنني لست ماهرا في اللعبة. ولاعبوها المحترفون يعتبرونني "چونه"، والحقيقة أنني ألعبها بشكل نادر جدا. وهذا ما يحصل للأسف مع معظم حملة الشهادات العليا فرغم تكوينهم الأكاديمي الجيد إلا أنهم عندما يعودون للوطن "يداقيهم" السياسيون جراء نقص خبرتهم بأمور الحياة الأخرى. لذلك يقول لي دائما صديق آخر، أن الحياة معقدة الأحداث وتتطلب دائما أن تكون فيها متشعب التجارب وماكرا وطيبا في نفس الوقت حتى تكون طيبتك مؤثرة، لا أن تكون طيبا فقط، لأنك حينها ستكون أنت الضحية. ففي بلدنا مثلا سيأخذ عزيز وصديقه حوالي عشرين سنة متتابعة من عمر الوطن، لأنهم اتقنوا فنون "المداقية" مع نخبة لا أقول إنها طيبة، بل متسرعة وطمّاعة وينقصها المكر الصالح..
شعرت بالفخر حقا وأنا أحادث خمس طالبات محترمات يتحدثن أكثر من لغة واحدة ولديهن طموح مرموق جدا وطويل النفس وسيعدن إلى بلادهن مع أكثر تخصص تحتاجه. خاصة عندما تذكرت حجم هجرة الموريتانيين اليومية من أجل التداوي في السنغال. قصصت عليهن محتوى الصدفة واستغربنها بدهشة ولا أدري إن صدقنها أم لا، أو اعتبرنها نوعا فقط من "المعاكسة الذكية" التي يجيدها حقا "أهل لخيام"..
في ختام الأمسية المحترمة في متنزه عام يتناثر الزوار على أديمه، قلت لهن بما معناه، أن صدفة مثل هذه يجب أن لا تبقى صدفة، ولا بأس إن لم يكن في الأمر إحراج من استمرار التواصل. اثنتان منهن كانتا خارج نطاق الصدفة لأنهن كن متزوجات. أما الأخريات؛ فإن اثنتين منهن فقد كن فطنات واعتذرن. أما الثالثة التي كنت كلما قلت أنا قبيلتا "ترف" أو "كرو" تقول هي قبيلة "كير" بالصدفة، فإنها ابتعدت نحو أكناف الرصيف على استحياء متسارع ولم تتكلم كأنها هاربة من لغز الصدفة أو الاعتذار. وقالت صديقاتها بما معناه، أنها الوحيدة من بينهن المؤهلة لدخول 26(القفص الذهبي).
ودعتهن وعدت أدراجي قاطعا 6 كلم إيابا كما قطعتها ذهابا وهي مسافة لن تشعر بطولها مطلقا في دكار لأن المشائين كثر، ولن تشعر أنك تسير وحيداً. واللياقة أيضا لا تحدث بالصدفة لابد أن تتعب وتسير. غادرت وبقيت الصدفة معلقة في سقف الغيب ومن الصعوبة بمكان أن تتكرر. إنها مثل مرور مذنب في الفضاء تحدث بشكل نادر. لكن الصدفة لم تنته طبعا هنا. بل حدث لها ما يشبه تناسخ الأرواح كما يشاع في معتقدات بعض طوائف الهندوس. ففي مساء اليوم الموالي ولدت نفس الصدفة متقمصة حدثا آخر. فقد جمعتني بالصدفة أيضا رحلة بحرية مع طالبات يدرسن في كلية الطب. لكنني لم أخبرهم شيئا هذه المرة واكتفيت فقط بلعب دور "الزومبي". خشيت أن "أُحْلَقَ" مثلما "حُلِقتُ" في الجزء الأول من الصدفة والأصلع يجب أن لا يُحلق مرتين. وأنا كأستاذ سابق لديه ذكريات مبعثرة مع الرياضيات يجب أن لا أقع في فخ الاحتمالات في مدينة مزدحمة للغاية مثل دكار، كما أن وجود ذكريات لي مع الفيزياء يمنعني أيضا من الإيمان بالصدفة. أما دينيا فلا شيء يحدث بالصدفة، فما نظنه صدفة يعتبر قدرا مكتوبا، نتدخل في تفاصيله الصغيرة أحيانا بيد أن الوجهة في النهاية لا تتغير ولا تتبدل...
الخلاصة؛ الحب والتنمية لا يحدثان بالصدفة. فيجب أن يسبقهما تراكم جاد للإيمان والعمل والتضحيات، وإن حدث أحدهما بالصدفة، فإن ذلك يعني بكل بساطة أنه حدث أثناء تصوير فلم سينمائي أو أثناء تطبيل النخبة لأحد رؤساء البلاد العابرين ولا علاقة له بالواقع.
هنا دكار. أتأسف لعدم التفاعل المستمر مع شؤون الوطن لأن حضور أخباره في يومياتي أصبح نادرا مثل حضور الملح في طعام المصابين بمرض ضغط الشرايين. لكنني بكل تأكيد أحب الوطن، والدليل على ذلك، أنه لا يوجد دليل على ذلك..
الصورة بعدستي واخترت أن أترك القلب فارغا...
الساعة 18:12 وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.











