خوارزمية كورونا والقدر!

خالد الفاظل

كانت عندي بالأمس حصة صباحية في الجامعة النائية لم أذهب إليها. فربما وضعت يدي في مكان من الباص وضع عليه طالب يده التي صافح بها صباحا عمه، الذي يعمل سائقا لتكسي ركب فيها رجل بالمقعد الأمامي ولامسه، يمتلك الرجل محلا صغيرا دخلته سيدة منذ يومين تريد خبزا محشوا بالزبدة ومررت يدها على خبزه لتختار خبزا منفوخا، كان زوجها صافح ليلتها ابن عم ابن خالته عندما لقيه في مجلس عزاء، وكان الأخير احتك منذ ثلاثة أيام في سوق "كبيتال" بشاب صافحه ظنا منه أنه مدون منفوخ في الفيسبوك يدعى "خالد الفاضل"، الشاب الذي صافح كان رفقة خالته وهي زوجة إمام حضر وليمة منذ أربع ليال من أجل عقد قران، صافح فيها ابن خالة العريس الذي يعمل أستاذا فتش صبيحة ذلك اليوم؛ دفتر طالب لينظر واجبه المنزلي وكان وضع دفتره في حقيبة أخته وهما في طريقهم للمدرسة، أخته التي قضت أمسيتها في موعد غرامي مشبوه مع شاب استعار سيارة صديقه الذي يكون شقيق مسافر دخل موريتانيا في يوم التاسع من مارس ووقف في طابور الوصول يفصله ثلاثة ركاب عن عامل ختم الجوزات؛ الاول منهم كان محاسب تازيازت الذي أعلنت إصابته بفيروس كورونا يوم الجمعة! وكان وضع يده في مكان وضع عليه المحاسب يده لينتقل الفيروس إليه عندما عض أحد أصابعه كعادة يمارسها دائما كلما وقف في الطابور لينقل كورونا إلى الأفراد السابقين، وعلى رأسهم الطالب الجامعي الذي كان سينقل الفيروس ليدي!

لو أنني ذهبت للجامعة ولم أرسل صورة من قميصي الذي قررت ارتداءه في حصة السبت إلى صديقة تتنفس الانكليزية؛ وأخبرتني بأن الكلمات المكتوبة عليه ليست محترمة للأسف واستحت من ترجمتها لي، فتخيلت مقدار الإحراج الذي كان سيصيبني وأنا أتجول بالقميص داخل أروقة كلية الآداب! عندما عرفت معنى الكلمات وكان القميص هو الموجود الوحيد المتناسق لونه مع النعال والبنطال، نهضت صباحا وأنا مشمئز من الحضور بسبب فحوى الكلمات المكتوبة عليه.

كنت اشتريت القميص عندما حاولت في العطلة الصيفية الماضية الهجرة إلى أمريكا طلبا لحظوظ أفضل في المستقبل القريب! وظننت أن الجملة المكتوبة عليه من "روائع شكسبير" ومن الجيد التجوال بها في شوارع نييورك المزدحمة! بالأمس رأيت في الأخبار نية ترامب إقامة قداس الأحد للصلاة من أجل أمريكا لينقذها الرب من فيروس كورونا المستجد، عندئذ قلت في نفسي لو لم يشكك عامل السفارة في كوني ذاهب للقارة الأمريكية كمهاجر لكنت الآن فيها. المكسيك أغلقت حدودها مع أمريكا! وسياح إيطاليون طلبوا حق اللجوء لدى إثيوبيا! كل هذه الأحداث جعلتني أفكر وبعمق؛ عن نسبية الأمان الذي يبحث عن الإنسان في المستقبل. كان مفسدو دول العالم الثالث يأخذون ثروات شعوبهم الفقيرة إلى أوروبا بغية تخزينها داخل البنوك والعقارات والشركات لبلوغ الأمان المالي والصحي والنفسي إذا ما تعرضت بلدانهم لهزات عنيفة نتيجة المظالم المتراكمة فيها. اليوم يعودون ليتقاسموا مع شعوبهم الخوف والخدمات الصحية الهشة والقليل مما تنتجه الأسواق في حالة استمرار توقف الإنتاج وغلق الحدود. ربما أدركوا أنه لا أمان مستمر ولا يوجد مكان بالأرض بمنأى عن تقلب الأيام وتبدل الأحوال. دول عظيمة تحولت إلى سجون، ومنازل تحولت إلى زنازين مغلقة تماما، أسواق فارغة بسبب التخزين الجنوني، الكل أصبح يبحث عن الأمان حتى لو تطلب ذلك الاحتماء بالبراري البعيدة الخالية من قلق الإنسان في عصر التكنولوجيا.

للذين يحبون الصحاري المعزولة ويرغبون بمساعدة الدولة في تخفيف الاكتظاظ على المدن الكبيرة؛  أعرف بئرا يقال لها بئر "الونكل" تقع خلف فجوة تسمى "خنك الذهب" يكورها جبلان سميكان وتعبرها رمال صقيلة للغاية مكسوة بنباتات "السبط" وأشجار متباعدة من الطلح وأتيل، لا يشاهد فيها من الحيوانات غالبا إلا قطان الإبل والأرانب وأحيانا غزال شارد وطيور محلقة في علو مرتفع، من أخذ سيارة محملة أساسا بالدقيق والشاي والسكر والقديد المجفف(تيشطار) والتمر وأدوية خفيفة وبقية تجهيزات ضرورية أخرى ثم بنى خيمة هناك وصحب معه مذياعا للتواصل مع العالم، فإنه بلا شك سيعثر على هواء نقي، حتى الطائرات لا تعبر ذلك الجزء من السماء. طبعا لا يعني هذا أنه سيبتعد عن الموت فربما تلدغه حية سامة! إن الموت قريب من الجميع وينتظر الجميع أيضا أينما وكيفما كانوا. لكنه سيحظى باستقرار نفسي عجيب وهو يتأمل ليلا النجوم تزين قبة سماء مفتوحة على مفازات رحبة وصامتة، ليستيقظ فجرا على منظر شروق ساحر، سيجعل قلبه يفيض سكينة وهو يستنشق هواء صباحيا لا يشم فيه الدخان والقلق والهلع، وسيدرك عظمة الله بذهن غير مشوش ومذعور من هواجس فيروس ضئيل لا يرى بالعين المجردة، سيتضرع إلى الخالق أن ينتصر الأطباء سريعا على الوباء وأن تخرج البشرية منتصرة وأكثر احتراما لضعفائها ولقدراتها في مواجهة سنن الله المباغتة للعالم، وأكثر تواضعا وتفهما لكل أبعاد قوتها. قال تعالى: (( حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون َ)).

هنا الزنزانة. اغسلوا أيديكم دائما، وتجنبوا كافة أنواع الاحتكاك كالرجل الظاهر في الصورة المرفقة، والحياة مستمرة، والدنيا ستكون بخير، افعلوا الخير قبل أن تموتوا، ولن تموتوا إلا مرة واحدة طبعا، فلا داعي للقلق والهلع. لكن حاولوا أن لا تمرضوا وتنقلوا العدوى لغيركم.
الساعة 11:38 وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

أربعاء, 18/03/2020 - 21:13