تحممت ولبست أكثر ثيابي بياضا، قلمت أظافري ونظفت أسناني بمعجون لم ير النور في "مصانع فرنسا". فقبل 14 قرنا حثنا النبي على نظافة البدن والسواك والطيب وإماطة الأذى عن الطريق والاستئذان. حاولت جاهدا أن أنظف قلبي بمكنسة حسن الظن والمحبة، مبعدا الأحقاد والرياء والحسد والتكبر والرياء عنه متذكرا قصة الرجل الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه من أهل الجنة وعندما بحثوا عنه؛ وجدوه لا يفعل الكثير سوى أنه ينام وقلبه سليم من الغل والغش والحقد والحسد..
وقفت على الرصيف بكل لباقة قرب مجمع "أتاك الخير" منتظرا سيارة أجرة، كنت أنزل يدي كلما كانت السيارة أنيقة وشخصية، قنوطا واحتراما للمدنية، وأرفعها كلما كانت ملامح السيارة رثة(سيارة أجرة). ركبت رابع ثلاثة بالمقاعد الخلفية، بينما امرأتان جلستا بالمقعد الأمامي بجوار السائق ذو الملامح الصلبة؛ قلت لهم:
السلام عليكم
ردوا وعليكم السلام. رغم أنهم غرباء، إلا أن النبي أمرنا بإفشاء السلام وتوزيعه على المعارف والغرباء، فإفشاء السلام يجعل المحبة والألفة تتدفق داخل القلوب كما أنه يصنع جسورا متينة من المودة بينها..
كانت وجهتنا وقفة "صكوكو". الفتاة الجالسة في الأمام كانت تقصد مهرجان النصرة حسب مكالمة هاتفية. كانت النفس أمارة بالتحرش، فقلت للسائق هل ستقصد دوار "مدريد" بعيد الوقفة، حتى أبعث برسالة مشفرة للفتاة أن "طريقنا واحد، ووجهتنا واحدة أيضا"، مما جعلها تدير عينيها نحو الخلف، ثم رمقتني بنظرة نائية كوميض برق الغوير الذي وصفه البرعي.
أرى بَرق الغوير اذا تراءى بأقصى الشام زوّدني بكاء
تذكرت بأن الرسول حثنا على غض البصر، وعدم إطلاق العنان للنظرات حتى لا تقودنا للخطيئة. ركبنا مرة أخرى بسيارة أجرة. نزلت وتركتها تنتظر الفكة. سارت خلفي ثم تباطأت خطواتي بطريقة ما حتى التحقت بي، تمشينا بشكل متوازي كمستقيمين لا يتقاطعان، بيننا مسافة من الحياء والصمت ونداء خفي بين "الأرواح المجندة". ذبت عنها بين أمواج الجماهير الغفيرة ثم اختفت مثل الإبرة داخل البحر. حمدت الله أن النية التي رافقتني من الدار لم تتعثر بنظرات قادمة من أقصى الصدفة..
كان من أكبر "التجمعات البشرية" التي حضرتها. المحبة الصادقة على ملامح الناس، والغضب اعتمل في أعينهم وكلماتهم امتعاظا من التبني الرسمي للإساءة للرسول الأكرم من طرف فرنسا تحت شعار "حرية الإساءة" ولا أقول حرية التعبير...
النبي الأكرم يعيش داخل حياتنا وقلوبنا وذاكرتنا، نصبح ونمسي على سنته. طيلة 14 قرن اكتفينا بوصفه خاصة وصف أم معبد وبرؤيته في المنام، ابتعدنا عن رسمه أو نحت تمثال يجسده. فلا يعقل أبدا؛ أن نقبل الإساءة إليه برسم مسيئ، لا يعقل. قاطعوا فرنسا اقتصاديا وثقافيا بشكل قوي وأخلاقي حتى تحترم مقدساتنا.
بين الجموع الغفيرة..
تخيلت النبي الأكرم وقف على المنصة ثم تهللت أسارير وجهه وهو يرى هذا الحب الصادق والمتدفق من قلوب نبضت بعده بأربعة عشر قرنا. لكنه استغرب ذلك التمايز بين الحاضرين! أناس على المقاعد تفصلهم مسافات مع بقية الناس! وهو الذي كان يجلس بين أصحابه وبتواضع رغم عظمته، حتى لا يتميز عنهم. "ما هذه الطبقية التي أحدثتم بعدي، هل نسيتم خطبتي في حجة الوداع، كلكم من آدم وآدم من تراب" تخيلت أن النبي الأكرم قال ذلك وأنا أرى المنصة خلت من المساواة..
هل توقفتم عن شهادة الزور؟ هل توقفتم عن الغش؟
هل وصلكم بأنني كنت متكئا وجلست وقلت: "ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور" ثم أنني أيضا قلت: "من غشنا فليس منا"..
تخيلت المهندسين والمفتشين والعاملين داخل قطاعات الدولة والشركات، والتجار والساسة الذين وصلوا إلى المهرجان أجابوا وأعينهم تفيض من الدمع:
سامحنا يا رسول الله، سلمنا المنشآت الخدمية ومررنا المواد الغذائية والأدوية والتقارير والأخبار وأعلنا نتائج الانتخابات والمسابقات دون الاحتكام للصدق والشفافية والتأكد من موافقتهم للمعايير المطلوبة..
هل توقفتم عن أكل أموال الناس بالباطل كما أوصيتكم في حجة الوداع، وهل وصلكم قولي: " وَأيْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا".
تخيلت الموظفين الساميين؛ رؤساء ووزراء وحكام وولاة وموظفين في الدولة والقطاع الخاص وأصحاب الأمانات والديون قالوا وأعينهم تفيض من الدمع والندم: سامحنا يا رسول الله، لقد قصرنا في كل شيء وآثرنا الأموال والجاه على مصالح الناس...
تخيلت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لهم: الحق لا يسامحه إلا صاحبه. ثم يقول لنا جميعا ونحن واقفون في ساحة المطار القديم:
أنصروني بقيم العدالة والأمانة وبقول الحق، والابتعاد عن المال العام والغش والرشوة وشهادة الزور والحقد والحسد والتباغض والكذب والخيانة وسفك الدماء بغير حق. أنصروني بالرحمة والأخلاق الحميدة واحترام الجار والصدق والتواضع. أنصروني بالوقوف ضد الاستبداد والظلم في الأرض، وبتحطيم الأصنام التي تحجب الخالق عن عباده؛ سواء كانوا بشرا أو أفكارا..
قفلت راجعا عندما دنا الغروب تاركا مشهد تطاير قناني الماء الفارغة جهة المنصة خلفي. رغم الجماهير الغفيرة لم يعرفني إلا شخصين(إعجابين فقط في الواقع) لذلك على من يصنعون أمجادهم من العالم الافتراضي أن لا يذهبوا بعيدا في الوهم..
قاطعوا كل البضائع الفرنسية بشكل جدي وبنفس طويل حتى يتوقفوا ويعتذروا. بنهاية المطاف الشعب الفرنسي بيننا وبينه جيرة تاريخية رغم كل مساوئها الاستعمارية ومحاولتهم الدائمة للهيمنة الثقافية والسياسية علينا وجيراننا داخل المنطقة. لكن يبقى هناك بعض العيش والملح.
الصورة من مهرجان النصرة منقولة...
هنا نواكشوط. الساعة 01:20 وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.