سرقة في آخر يوم!

خالد الفاظل

منذ سكنت العاصمة قبل 14 عاما لم أتعرض للسرقة إلا ثلاث مرات فقط، آخرها ضحى اليوم 31 ديسمبر 2020 في سوق "كلينك" المزدحم بالعابرين والنظرات المكتظة بالقصص القادمة من أعماق الكفاح.
المرة الأولى كانت قبل اندلاع الربيع العربي، حينما اجتذبت الأضواء اللامعة والمتوثبة من الملعب الأولمبي فضولي وكنت أيامها أسكن قريبا منه. رافقني صديق لم يزره قط وكنتُ دليله السياحي. تسلقنا الحائط ودخلنا من الناحية الشرقية القليلة الأضواء. وصلنا البهو وكانت البوابات المؤدية إلى المدرجات مكتظة بشباب يتمتعون بلياقة بدنية عالية ويرتدون ملابس ملتصقة بالجسم تمنحهم حرية الحركة في جميع الاتجاهات، بينما كنتُ وصديقي نرتدي دراريع شبيهة بالمظلات المفتوحة. لما لمحونا صاعدين وأنا في المقدمة، التصقوا بالجدران حتى تركوا ممرا على السلالم يفضي إلى منصة "التتويج". صعدتُ واثق الخطى ولما تبين لي الخيط الأبيض من الأسود وبدأت أرى أرضية الملعب الخضراء اللامعة وما يشبه حفلة غنائية أغلقوا الدائرة من حولي قبل صعود صديقي. كان كمينا محكما شعرت فيه أنني غريق تبتلعه الأمواج القادمة من كل الاتجاهات. أرسلت يدي لأسفل جيبي وخنقت محتوياته بقبضة قوية تعيق الوصول إليها بينما اليد الأخرى كانت كالمجداف تقاوم الأيادي المزدحمة على جسدي كأنه متجر يتعرض لنهب غير منظم. كان صديقي في الأسفل يتعرض لهجوم آخر لكنه أقل ضراوة مما أعطاه الفرصة ليدخل يده من بين الأجساد المتكورة حولي كهيكل الحلزون حتى أمسك طرف ثوبي وجذبني بقوة مستفيدا من الجاذبية وانحدار السلالم مما جعلني أخرج من أعماق الكمين نحو البهو. بقي اثنان من قطاع الممر معنا لم يقنطا بعد من الظفر ببعض الغنائم. وجهت بطريقة لا إرادية لكمة نحو وجه أحدهما تجنبها ليتركونا أحرارا ويعودا أدراجهم للبحث عن فريسة أخرى. كانت الخسائر المادية معدومة باستثناء شق خفيف في رقبة دراعتي. حينئذ طوينا الفضول طيا وعدنا أدراجنا بينما كان صديقي المحارب يفضل المكوث.
المرة الثانية كانت أيام الخروج من الجامعة ولا أقول التخرج. كنا نسكن بيتا أحادي الخلية في منطقة "بلوكات" بقلب العاصمة مخصص للمراجعة وملتصق ببيت آخر يستغله طلبة يخططون لنيل شهادة الباكلوريا. ذات ليلة صيفية حارة عدت إلى البيت الواحدة صباحا للمبيت ووجدت اثنين من الزملاء داخل البيت يتجهزان للنوم بعد سهرة شاقة مع التفاعلات الكيميائية تاهوا خلالها في التزاحم الفراغي للمركبات الكيميائية. خلعت دراعتي التي اشتريتها من منحة الجامعة وكانت شبه مقدسة تاركا في جيبها هاتفي وحقيبة طالب قليلة الدسم. نمت أمام الباب تحت الهواء الطلق فرارا من حرارة البيت، نمت متعبا وتعمقت في النوم. فجأة استيقظت على المشهد التالي الشبيه بالحلم، جيراننا وكانوا نفرا من الطلاب يصرخون "سارق سارق" مذعورين دون أن يبرحوا فناء بيتهم بخطوة بينما زميلي يركض نحو الحائط مهرولا خلف اللص الطويل كنخلة حجازية والذي تسلق الحائط السميك برشاقة وببراعة بينما كادت يد زميلي أن تمسك قدمه قبل أن يفلتها ويذوب في ليل "بلوكات" المعتم والمتشعب الدروب. قال زميلي بأنه أحس بذلك الشيء الذي يتحرك في الظلام وظنه معزاة وقال له: "تشي تشي" وفجأة اندفع من الظلام كالشبح ليركض خلفه. كانت دراعتي هي الضحية الوحيدة، أخذ هاتفي وحقيبتي والتي أسعدني أن بطاقة المطعم كانت بداخلها. ترك لي اللص بعد أن فاجأته " تشي تشي " من زميلي 200 أوقية في قاع جيب الدراعة الثمينة أعطيها للتكسي. لتكون تلك أول سرقة مباشرة تتخللها بعض الخسائر المادية أتعرض لها كشخص، أما كمواطن في الجمهورية الإسلامية الموريتانية فلا يمكن حصر السرقات "المحترمة"..
المرة الثالثة كنت صبيحة اليوم الأخير من 2020 السيئة الصيت، عندما دخلت "كبيتال" متجها لسوق "كلينك" لشراء أحذية كتيمة. عادة يستحوذ علي التأمل والتدبر عندما أدخل الأسواق الشعبية المزدحمة بالمارة. وجوه الباعة مليئة بالقصص التي أحاول استنطاقها بتفرس تعابير المحن والأفراح فيها، لكنني اليوم تحولت إلى قصة! شققت طريقي في أعماق سوق "كلينك" أبعثر نظراتي بين باعة الأحذية حتى أتبين أغزرهم بضاعة وماركات حتى أتبضع عنده. بينما وأنا أسير مراوغا الأجساد المزدحمة تجنبا للاحتكاك مخافة كورونا، فجأة شعرت بأن وزني تناقص بطريقة ما كأنه خسر شيئا. أدخلت يدي لجيبي لتحسسه فشعرت بفراغ مريب. اختفت محفظتي السوداء مع محتوياتها بينما نجا هاتفي للأسف هو وقطعة نقدية أخرجتها من المحفظة لتكون جاهزة لتقديمها عند العودة لسيارة الأجرة حتى لا أضيع الوقت. كنتُ أظنني فطنا للغاية وحذرا، لكنني أحي هذا اللص الصغير الذي استطاع انتشال محفظتي باحترافية عجيبة دون أن أشعر بأصابعه. كما أبارك له الغنائم التي ظفر بها وأتمنى منه أن يرمي بطاقة تعريفي وبعض الأوراق الأخرى في مكان مرئي حتى يسهل العثور عليهم. بالمناسبة بطاقة تعريفي تحمل نفس الاسم الذي استخدمه في الفيسبوك هي وبقية الأوراق الأخرى لمن عثر عليهم..
انتهت عملية التسوق بسرعة وعدت بخفي حنين والحمد لله. كان صباحا لطيفا شعرت فيه أنني ساهمت في إنهاء دوام لص صغير بسرعة قبل أن تتسع دائرة ضحاياه بقية النهار. لكن هناك لصوص كبار يسرقون الوطن منذ عقود بكل "احترام" لم نعرف حتى الآن كيف سننهي دوامهم المتواصل.
أتمنى لكم عاما مباركا ولو أنني أعتبر الزمن خطا متواصلا بلا فواصل. وإنما العبرة فقط في التغير الفيزيائي والكيميائي والبيولوجي. الصورة المرفقة قديمة على شكل قلب أهديها للص الصغير الذي سرقني بمناسبة العام الجديد. وأدعو الله أن يرشده للطريق الصحيح وأطمئنه أن ما سرقه حلال..

خميس, 31/12/2020 - 15:38